في الجنوب، كان البيت الطيني يتنفس مع ساكنيه، والجدار يتشقق كأنه جلد الأرض، والنوافذ تطل على الحقول كما تطل الروح على الأمل. هناك، في قرى مثل بنت جبيل والنبطية ومرجعيون، كان الزمن أبطأ، والناس أدفأ، والعلاقات أكثر نقاء. لم يكن الفلاح يخرج إلى أرضه وحيداً، بل كان يحمل معه قلوب جيرانه، فالأرض تُزرع بالقمح وبالمحبة معاً.
الأعراس والسهرات: فرح الجماعة وبساطة الزمن
حتى عام 1973، كان المشهد واحداً في معظم قرى الجنوب: أيادٍ متشابكة في الحصاد، رجال يكدسون سنابل القمح، ونساء يغنين عتابا وزجلاً لتخفيف وطأة التعب:
زرعنا قمح عا القمر من فوق
يا ريت العمر كله بيبقى فوق
والسنبلة لو مالت عالأرض شوق
بتبقى راسخة متل عزّة أهلها
وكان الزجّال يرفع صوته بين صفوف الحصادين:
يا سنابل قمح ميلي وانحني
خلي الفلاح يفرح بالهنا
كل ما نحصد قمح من أراضينا
منزيد عالأرض عزّة ووفا
الأعراس كانت ذروة هذا التلاحم. في النبطية مثلاً، كانت الزغاريد تعلو من بيت إلى آخر حتى يملأ صداها الوادي كله. العروس تُزف على حصان مزيّن بالورود، يرافقها موكب القرية، بينما تصدح المزاهر والمجوز، وترقص الدبكة سبع ليالٍ في الساحة. وفي خضم الفرح، كان المغني الشعبي يرفع صوته بالعتابا:
يا طير سلم عالعروس وأهلها
وابعث سلامي بالهوا وحملها
يا بو عيون السود خذني ودلّلها
لا عشت من بعدك دقيقة يا حلوة
وتردّد النساء أهازيج أخرى على وقع الدبكة:
عالهوى عالهوى يا دبكة الهوى
عالليالي الطوال نرقص سوا
كل ما تدق المزاهر بالهوا
نحس إنو الدنيا ملك إيدينا
أما السهرات الصيفية، فكانت مساحة أخرى للقاء. يجتمع الأهل والجيران على ضوء القمر، وتعلو أصوات الشباب بالزجل والردّات:
عالليل يا بو القمر عالليل
غني وغني وزيد بهالسهرات
ويرد آخر:
لا الليل بيدوم ولا النجمات
الدوم بيبقى محبة الإخوات
وكانت بعض الردّات تحمل حكمة ريفية تلخص التجربة:
يا ريت العمر بيبقى متل هالليالي
ما في همّ ولا في خصام ولا جدالي
لو تبقى المحبة بين العيال
كان الدنيي بتعطي خيرها لينا
التحولات الحديثة: من التضامن إلى الفردية
لكن هذا المشهد تبدل. الحرب جاءت أولاً، فمزّقت الكثير من الروابط. بعدها دخلت الحداثة السريعة. بيوت الطين هُدمت، وحلّت مكانها أبنية إسمنتية صامتة لا تحفظ دفء الجماعة. في بنت جبيل اليوم، الأعراس تُقام في مطاعم وصالات فخمة، تُنفق فيها الأموال على المفرقعات والأضواء، فيما العائلات البسيطة تكتفي بوليمة متواضعة وبعض الأهازيج الشعبية. الفرح لم يختفِ، لكنه فقد براءته الأولى، وصار مرهوناً بقدرة مالية أكثر منه رغبة في المشاركة.
حتى الزواج نفسه تغيّر. في الأمس، كان يقوم على صبر وتفاهم، يسانده أهل وأقارب، أما اليوم فكثير من العلاقات تنهار لأسباب تافهة، ويحدث الطلاق في أشهره الأولى. في مرجعيون، تسمع حكايات عن شباب لم يصمد زواجهم عاماً واحداً، بينما أجدادهم عاشوا خمسين سنة على رغيف واحد وظل واحد.
التحولات هذه ليست مجرد تفاصيل اجتماعية، بل هي صورة لصراع بين ماضٍ حمل قيم التضامن والوفاء، وحاضر تسللت إليه الفردية والترف المفرط وضغوط الاقتصاد والحرب. الجنوب، الذي كان قلباً يخفق بالجماعة، صار اليوم موزعاً بين مظاهر حديثة باردة وذاكرة قروية تحنّ إلى أيام النار الصغيرة والعرس الكبير.
ويبقى السؤال: هل كتب على الريف أن يتحول إلى ذكرى، أم أن أبناء الجنوب قادرون على صياغة هوية جديدة تجمع الحداثة بروح القرية القديمة، الصالة الفاخرة بزغاريد الساحة، والبيت الإسمنتي بقلب الطين؟
إقرأ أيضا:نعيم قاسم يتحدى الحكومة.. لن نتخلى السلاح ومعركتنا وجودية!

