في مشهد متداخل بين الرمزية السياسية والحضور الإقليمي، خيّمت ذكرى اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله على الساحة اللبنانية، وسط احتفال مركزي أقامه الحزب في الضاحية الجنوبية بحضور شخصيات سياسية وحزبية. وقد اكتسبت المناسبة بعداً إضافياً مع وصول أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى بيروت، الذي لم يكتفِ بالمشاركة الرمزية بل أدلى بمواقف حملت إشادة بمبادرة نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم تجاه السعودية، مؤكداً أنّ التعاون بين الطرفين «خطوة في الاتجاه الصحيح» لمواجهة «العدو المشترك».
الحضور الإيراني ورسالة لاريجاني
زيارة لاريجاني، التي تزامنت مع ساعات قبيل إعادة فرض العقوبات الأممية على إيران، حملت رسائل سياسية واضحة. فإلى جانب جولته على عين التينة والسراي ولقاءاته بالرئيس نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، شدّد المسؤول الإيراني على أنّ حزب الله «حركة أصيلة تمثل سداً منيعاً في مواجهة إسرائيل»، لافتاً إلى أنّ مبادرة قاسم نحو السعودية تعبّر عن «حكمة» وتفتح باباً للتقارب الإسلامي – الإسلامي. أما بشأن انتقادات الموفد الأميركي توم باراك حول تمويل الحزب، فاعتبرها لاريجاني ناتجة عن «غضب وانفعال»، مؤكداً أنّ أي تقارب سعودي – حزب الله سيكون «موقفاً صحيحاً» لتخفيف الاحتقان الإقليمي.
الدولة بين الخطاب الرئاسي والتحديات الداخلية
على الضفة المقابلة، حاول الرؤساء وضع الذكرى في سياق جامع يعيد التأكيد على أولوية الدولة. فقد دعا رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، العائد من نيويورك، إلى أن تكون الذكرى محطة للتلاقي حول مشروع «الدولة الواحدة والجيش الواحد»، مشدداً أنّ «لا حماية حقيقية إلا تحت سقف الدولة». أما رئيس الحكومة نواف سلام فذكّر ضيفه الإيراني بأنّ العلاقات اللبنانية – الإيرانية يجب أن تقوم على «أسس الاحترام المتبادل وعدم التدخل»، في إشارة ضمنية إلى مخاوف متزايدة من تعاظم دور الحزب على حساب مؤسسات الدولة.
الانقسام الداخلي بين إشادة وانتقاد
في الداخل، انقسم المشهد بين إشادة حزب الله بـ«حكمة الجيش والأجهزة الأمنية» في التعامل مع تداعيات حادثة الروشة، وانتقادات معارضة وصفت ما جرى بـ«كسر هيبة الدولة». النائب إبراهيم منيمنة رأى أنّ الحزب فرض أمراً واقعاً في بيروت، فيما صوّب النائب جبران باسيل على «سلطة عاجزة» عجزت عن حماية سيادة القرار. وبين خطاب بري الوجداني الذي ربط دماء الشهداء بحماية السلم الأهلي، وتصعيد خصوم الحزب في تحميله مسؤولية الاستقواء على الدولة، بدا واضحاً أنّ الساحة اللبنانية تقف مجدداً أمام اختبار مزدوج: مدى قدرة الحكومة على فرض قراراتها، ومدى استعداد الحزب للقبول بمرجعية الدولة.
وتشكّل ذكرى اغتيال نصرالله هذا العام نقطة تقاطع بين البعد الرمزي الذي يرسّخه الحزب في وجدان بيئته، والبعد الإقليمي الذي جسّدته زيارة لاريجاني برسائله نحو السعودية والغرب. غير أنّ ما برز بوضوح هو استمرار التباين العميق بين خطاب الدولة، الداعي إلى الوحدة تحت سقف المؤسسات، وخطاب الحزب الذي يكرّس نفسه «حامياً وحيداً» في مواجهة إسرائيل. وفيما تراهن طهران على فتح قنوات مع الرياض عبر مبادرات قاسم، يبقى السؤال الأساس في الداخل: هل يستطيع لبنان ترجمة هذا الحضور المتعدد على أرضية سيادة واحدة، أم أنّ الذكرى ستظل تكرّس ازدواجية الولاء بين الدولة والحزب؟
اقرا ايضا: بالفيديو: « إصبعو كسرلك راسك».. مراسل «المنار» في كلمات نابية لرئيس الحكومة نواف سلام

