المجال العام هو حق مواطني وليس ملعبا حزبيا

حارث سليمان

يقول البعض ان  من يقاتل اسرائيل او اي عدو خارجي لبلد ما من دول العرب، ثم يتوفى يصبح رمزا وطنيا وعربيا ويعتبر شهيد الوطن والامة، وهذا القول فيه الكثير من المشروعية والمنطق، وقد دأب الوجدان العربي  على الانسجام مع هذا المعيار طويلا. 

ابطال المعارك ضد عدو خارجي كانوا انفسهم ابطال معارك اخوية اخرى سقط فيها من الضحايا والدماء أضعاف

ما يضفي على هذا المعيار تشكيكا يصل الى حد إفساده والتنكر له وعدم الأخذ به، هو ان أكثر الحروب التي خيضت ضد عدو خارجي، ترافقت وامتزجت بحروب أهلية داخلية وفتن بين جماعات تعيش في وطن واحد، وان ابطال المعارك ضد عدو خارجي كانوا انفسهم ابطال معارك اخوية اخرى سقط فيها من الضحايا والدماء أضعاف ما سقط من ضحايا في مواجهة اسرائيل وبقية الاعداء، ولذلك لم تعد البطولة امرا مسلما به بشكل شامل، ولم تعد الشهادة امتيازا فوق كل نقاش.

بيروت هي عاصمة لبنان، وهي عاصمة كل لبناني، الى اية منطقة كانت جذوره، والى اي انتماء سياسي كانت ميوله، ولذلك هي عاصمة مفتوحة للجميع ويجب ان تبقى مفتوحة، هي مفتوحة لابناء الطائفة الشيعية كمواطنين افراد،، ولكنها ليست مفتوحة لحركة أمل وحزب الله،، وهي مفتوحة لكل المسيحيين والمواطنين الموارنة، ولكنها ليست مفتوحة لأحزاب القوات والتيار العوني والكتائب، هي مفتوحة لكل أهل السنة والجماعة في لبنان، ولكنها ليست مفتوحة لأحزاب وتنظيمات الأحباش والجماعة الاسلامية وتيار المستقبل وغيرها من الاحزاب الاسلامية، وما ينطبق على الأحزاب المدرجة اعلاه، ينطبق ايضا على الحزب التقدمي الإشتراكي وغيره من الاحزاب سواء كانت علمانية او طائفية.

بيروت هي عاصمة لبنان، وهي عاصمة كل لبناني، الى اية منطقة كانت جذوره

يعتقد البعض انه اذا تملكت اعداد كبرى من جماعة اهلية مساكن وعقارات ومتاجر في بيروت، فان هذه الملكيات الفردية على كثرتها تصبح مبررا لتغيير سلطة الدولة وسيادتها على المجال والأملاك العامة، وهذا الاعتقاد يعكس جهلا للفارق بين الملكية الفردية التي واتراكمت بشكل مكثف لجهة محددة لا تغير من حق الدولة في إدارة المجال العام. 

ديمومة اي مظهر حزبي او فئوي في مكان محدد ومنطقة محددة يعني حيازة جزء من المجال العام لفئة خاصة وتحويله الى مجال خاص

الدولة هي سيدة الساحات والطرقات والفضاء والاثير والآثار والرموز والشواطئ والمساحات الخضراء، تدير استعمال المواطنين لها كأفراد، ومن واجباتها ووظائفها ان تمنع الأحزاب من اقتسامها ومصادرتها وتخصيصها مناطق نفوذ وحصص فئوية، واستباحة فضاءاتها ومجالاتها.
هل يعني ذلك ان المطلوب منع الاحزاب من القيام باي انشطة سياسية او فعاليات جماهيرية او تنظيم مهرجانات وحشود شعبية!؟ بالطبع لا، لكن ذلك يجب ان يكون أولا مشروطا بموافقة الدولة وسماح اداراتها  بالنشاط والفعالية المطلوبة وبشروط القانون، وثانيا ان يكون النشاط محدودا بالزمان ومؤقتا وليس دائما، لان ديمومة اي مظهر حزبي او فئوي في مكان محدد ومنطقة محددة يعني حيازة جزء من المجال العام لفئة خاصة وتحويله الى مجال خاص.

ردا على حملة منظمة يقوم بها حزب الله متلبسا دور الضحية والمظلوم في قضية عرض صور السيدين نصرالله وصفي الدين  على صخرة الروشة كتبت:
الذي يقرأ ما كتب انصار الحزب الالهي يحسب ان حزب الله في موقع الضحية، ليست ضحية منفردة، بل ضحية من جماعة هي الطائفة الشيعية، والواقع أن اغلبية وازنة من الطائفة الشيعية دفعت ثمنا وخسارة ودماءً، لكن بسبب من!؟ وبخيار من! ومن قرر ان يرميها بالتهلكة!؟، 
إن مظلومية هؤلاء في رقاب من قرر حرب الاسناد ورفض وقفها، وليس على من وقف ناصحا بالتخلي عنها، واذا كان هناك من حساب وعقاب فليكن داخل حزب الله وداخل قيادات الحرس الثوري .

الشهيد الذي تسميه بالاقدس، ليس اقدسا لكل الناس في لبنان ودنيا العرب، وقد لا يكون شهيدا لقسم منهم، قد يكون لكم الحق بان تسمونه بما تشاؤون، وان تشعروا وتحزنوت كيفما تشاؤون، ويحزن معكم من يشاء من أنصاره، وانا حزنت معكم، لكن ليس من حقكم ان تفرضوا على الاخرين افرادا وجماعات ان يعتبرونه ، وان يجارونكم في حزنكم، وان يجعلوا من حزنكم حزنا لبنانيا شاملا ومن ذكراه ذكرى وطنية لكل اللبنانيين، لن يقبل احد غيركم ان تجتاح فضاءه ومجاله وامكنته ورموزه، ثم يتضامن معكم ويخضع لكم، حزنكم مشروع لكنه خاص ومحدد ومحدود في نطاقكم، ولن يصبح  حزنا لبنانيا شاملا، 
هل تقبلون برفع صور بشير الجميل في ساحة النبطية، وهل تقبلون برفع صور الامير محمد بن سلمان في قلعة بعلبك بعد ان ملأتم ساحاتها بصور الخميني وقاسم سليماني.

الشهيد الذي تسميه بالاقدس، ليس اقدسا لكل الناس في لبنان ودنيا العرب، وقد لا يكون شهيدا لقسم منهم


 
السلبطة على الاخرين ليست حقا، ومن يمارسها ليس ضحية والقانون فوق الجميع، واحترام القوانين فضيلة يتوجب عليكم تعلمها.

إن سيادة الدولة تعني سيادتها على المجال العام ومن ضمنه الساحات والشواطئ والطرقات والمعالم الثقافية والاثرية والتراثية وان اجلاء الرموز الحزبية والفئوية والدينية عن المجال العام الذي حولته الاحزاب معرضا للموتى هو واجب سيادي على الدولة ان تقوم به.

السابق
في يومها الوطني الـ95.. السعودية تجدد دعمها لاستقرار لبنان
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة اليوم الأربعاء 24 أيلول 2025