أتابع بدقة منذ سنتين نزاع العمل الجماعي بين وزارة التربية و”رابطة الأساتذة المتعاقدين” في التعليم الأساسي الرسمي. الوزير السابق عباس الحلبي عاقب رئيسة الرابطة بصرفها من الخدمة بدل أن يتفاوض معها على مطالب الأساتذة التي رفعتها هي وأعضاء الرابطة عبر الإضراب وسلسلة من الاعتصامات. وبعد أن اشتكت عليه وربحت الدعوى ولم يلتزم بقرار مجلس شورى الدولة بإعادتها إلى العمل، وصفته بالبلطجي – وهل من وصف ألطف لمن لا يحترم القانون؟ – فإذا به يلاحقها أمام المباحث الجنائية، لاجئاً مرة جديدة إلى العقوبات لردع التحرك النقابي.
من مهام القاضي فرض العقوبات على المخلّين بالقانون، لكن يبدو أن القاضي عباس الحلبي فهم دوره بشكل معكوس فراح يفرض العقوبات على المطالبين بالحقوق وبتطبيق القانون.
مع تولي الدكتورة ريما كرامي حقيبة وزارة التربية استبشرت الرابطة خيراً، لا سيما أن الوزيرة، الآتية من التعليم الجامعي، سارعت إلى الالتزام بقرار مجلس الشورى وإعادة رئيسة الرابطة إلى العمل.
الوزيرة ترفض استقبال ممثلي الرابطة الذين يمثلون ٨٠ % من الكادر التعليمي، فيما هي تلتقي بالمقابل مع أفراد منتحلي صفة تمثيل المتعاقدين، في سلوك ينم عن عدم الاعتراف بالتمثيل النقابي ورفض التفاوض
من التربية إلى بالقصاص
لكن يبدو أن “الدور” أقوى من الشخص، فما إن دخلت الوزيرة الجديدة أروقة الوزارة حتى راحت تقلّد الوزير السابق. ومع أنها متخصصة بالتربية، وبدل أن تستخدم أساليب التربية الحديثة في مقاربة القضايا، منطلقة من الدوافع والحوافز ومن إيجاد بيئة يسودها الوئام، إذا بها تستعين بأساليب “التربية بالقصاص” التي عفا عنها الزمن وأثبتت فشلها في التعامل مع الصغار والكبار على حد سواء.
فرغم مباشرتها بالحوار مع الأساتذة، اتخذت الوزيرة فجأة قراراً أحادياً بوقف دفع “بدل الإنتاجية” لهم، وهو قرار مؤلم جداً بحق عمالة لا تسمح لها أجورها البخسة وظروفها السيئة بخسارة المزيد. مما جعل الرابطة تحتج عبر اللجوء إلى الإضراب وإلى سلسلة من الاعتصامات.
وعندما أضرب الأساتذة بنسبة التزام عالية جداً تستحق التقدير، خاصة أنهم مياومون ويخسرون بدل أيام الإضراب، حرصت الوزيرة أن تزور إحدى المدارس غير المضربة في محافظة الشمال لتقول أمام الإعلام إن الأساتذة غير ملتزمين بالإضراب مع أن الالتزام كان بنسبة ٩٠ %. وهذا يُسمّى تزويراً للحقيقة وغرقاً في لعبة “الكيديات” السخيفة.
وعندما اعتصم الأساتذة في المرة الأولى أمام وزارة التربية عاندت الوزيرة كثيراً قبل استقبالهم في مكتبها، تاركة إياهم لساعات ينتظرون “معاليها”. وفي الاعتصام التالي لم تأتِ إلى مكتبها لاستقبالهم بل ذهبت إلى المجلس النيابي، وعندما تبعها الأساتذة إلى المجلس النيابي بمظاهرة حاشدة شارك فيها الأساتذة من كل مناطق لبنان، ومشياً على الأقدام لمدة ساعة وتحت شمس حارقة، غادرت المجلس النيابي مسرعة قبل وصول المظاهرة.
هذه اللامبالاة بأجسادهم المتعبة وبأقدامهم المتورمة، وهذا الاستخفاف بجهودهم ومطالبهم المحقة التي تشمل ١٤ ألف أستاذ، جعلا الأساتذة يمتنعون عن التعاون في ملء استمارات “التقييم العام” في آخر السنة، فما كان من الوزيرة إلا أن اعتمدت وسيلة التهديد بوقف التعاقد على لسان مدراء المدارس الذين ألغوا بالفعل أيام التدريس لأساتذة لم يتعاونوا. ومعروف أن المتعاقدين يعيشون من مدخول يوم عملهم.
وحتى تكتمل حلقة “التربية بالقصاص” ومع بدء السنة الدراسية الجديدة، ها هي الوزيرة ترفض استقبال ممثلي الرابطة الذين يمثلون ٨٠ % من الكادر التعليمي، فيما هي تلتقي بالمقابل مع أفراد منتحلي صفة تمثيل المتعاقدين، في سلوك ينم عن عدم الاعتراف بالتمثيل النقابي ورفض التفاوض مع ممثلي الأساتذة المنتخبين ديمقراطياً، في مخالفة واضحة لاتفاقية منظمة العمل الدولية رقم ٩٨ حول “حق التنظيم والمفاوضة الجماعية” التي صادق عليها لبنان.
اتخذت الوزيرة فجأة قراراً أحادياً بوقف دفع “بدل الإنتاجية” للاساتذة المتعاقدين، وهو قرار مؤلم جداً مما جعل الرابطة تحتج عبر اللجوء إلى الإضراب وإلى سلسلة من الاعتصامات.
بين النقد الشخصي والمسؤولية الرسمية
من الحجج التي يعطيها مقربون من الوزيرة لسلوكها هذا، هو أن “رئيسة الرابطة تناولتها بالشخصي”. حتى لو سلّمنا بذلك، هذا لا يعطي الحق للوزيرة بالتخلّف عن القيام بواجباتها الرسمية، والتي تقضي بالاعتراف بمن يمثلون الأساتذة شرعياً وبالتفاوض معهم حول مطالبهم. وإلا كانت هي من يتعامل “بالشخصي” مع ما هو مفترض أن يكون شأناً عاماً. وقد تعوّدنا في لبنان أن يعتبر المسؤول كل نقد لأدائه في وظيفته نقداً لشخصه، فهو يخلط بين “شخصه” وبين مسؤوليته الرسمية.
من خصوصية وزارة التربية أنها ليست مسؤولة فقط عن “السياسة التربوية” في المدارس والجامعات، بل أيضاً عن إيجاد حلول لمشكلات عمل الأساتذة في قطاع التعليم. وهذا ليس عبئاً إضافياً، بقدر ما هو فهماً صحيحاً للسياسة التربوية التي لا تستقيم بدون الأخذ بعين الاعتبار “عمل” الأساتذة، ولا سياسة تربوية ناجحة بدون حوار فعلي مع الأساتذة حول عملهم وحول نظرتهم إلى التربية على حد سواء. وهذا يتم مع ممثليهم النقابيين.
في حال استمرار الوزيرة بسلوكها الرافض للتعامل بندية واحترام مع ممثلي الرابطة، سيكون من واجب هذه الأخيرة، حفاظاً على حقوق من تمثل، تقديم شكوى أمام منظمة العمل الدولية، ما يضع الحكومة أمام تهمة انتهاك الحريات النقابية.
وإذا كان الرئيس سلام لا يحبّذ أن تأخذ الأمور هذا المنحى، عليه التدخل مع الوزيرة لإلزامها بالإقلاع عن سياسة “التربية بالقصاص” وبالبدء بمفاوضات جماعية مع الرابطة، هو الذي عُرف عنه عندما كان شاباً دفاعه عن حقوق العمال وعن العدالة الاجتماعية.
مع العلم أن حكومة الرئيس سلام مقصّرة حتى الآن في المجال الاجتماعي، وهي لم تُعطِ الأهمية اللازمة لهذا الجانب في بيانها الوزاري، كما أشرت في مقال سابق في “النهار”. التركيز على “بسط سيادة الدولة على كافة أراضيها” أساسي في هذه المرحلة، لكن دون أن ننسى أن سلطات الدولة مصدرها الشعب، ومن بينها سيادتها على أراضيها، ولذلك تُسمّى السيادة الوطنية “السيادة الشعبية”. فأي سيادة شعبية هي هذه، والدولة لا تعترف بحقوق المواطنين في إنشاء نقاباتهم الحرة وبالتفاوض مع السلطة حول مطالبها؟
اقرا ايضا: حزب الدعوة يحكم حزب الله: نهاية دور وفيق صفا وبوادر انفتاح على السعودية

