أخي المواطن،
الإنتخابات النيابية، محطة أساسية في المفاهيم الديمقراطية. كل الدساتير الحديثة، تنص على ممارسة الإنتخابات كشكل من أشكال محاسبة القائمين على السلطة، وتحريك التوجه الإصلاحي، لتحقيق حكم رشيد.
الإنتخابات النيابية، أرقى تعبير عن حكم الشعب لبلده. المجالس النيابية هي انعكاس لإرادة الشعب، وعليه، تحرص الدول المتقدمة على دفع المواطن لممارسة التصويت، بل تشدد هذه الدول على اعتباره من الموجبات الوطنية ومن حقوق المواطنة.
نحن في لبنان، كنا دائماً من البلدان التي مارست الإنتخابات النيابية بفعالية. كان ذلك بمثابة استفتاء لحركة التقدم في المفاهيم لدى الشعب. وقد برز لبنان منذ الإستقلال عام ١٩٤٣، كبلد قريب جداً من الأنظمة الديمقراطية الغربية.
الدستور اللبناني وتبادل السلطة
ولعل أهم أحكام الدستور في بلدنا هو: تبادل السلطة. دستور لبنان يوجب انتخاب مجلس نيابي كل أربع سنوات، ورئيس للجمهورية كل ست سنوات. المجلس النيابي أداة المراقبة والمحاسبة، ورئيس الجمهورية رئيس السلطة التنفيذية.
بينت الممارسة الديمقراطية بعد الإستقلال، أن النظام السياسي في لبنان يقترب من نظام رئاسي، نظراً لصلاحيات رئيس الجمهورية. هذا الأمر ليس خطأ. فالنظام الديمقراطي يفترض فعلاً فصل السلطات، فيكون للسلطة التنفيذية ممارسة دورها كاملاً، ومحاسبتها في المجلس النيابي. لكن ربط رئاسة الجمهورية بطائفة معينة (المارونية)، جعل الحكم بمثابة حكم المارونية السياسية. الأمر الذي دفع القوى الحزبية المختلفة، وخاصة اليسارية، إلى المطالبة بعلمنة الدولة، وإنهاء حكم المارونية السياسية. وافقت الأحزاب المارونية، وكذلك الكنيسة، على علمنة الدولة. لكن المسلمين رفضوا ذلك.
اتفاق الطائف وتوازن السلطات
على أثر الحرب الأهلية، تم التوافق في الطائف على تعديل الأحكام التي تتصل بالسلطات الثلاث في البلاد. تقرر أن تبقى طائفية الرئاسات الثلاث في البلاد على حالها، فيبقى رئيس الجمهورية مارونياً، ورئيس الحكومة سنياً، ورئيس المجلس النيابي شيعياً.
لكن التعديل، فرض تسمية رئيس الحكومة السني بمشاورات ملزمة. باتت تسمية رئيس الحكومة خياراً للمجلس النيابي، وليس خيار الرئيس. كما فرض على رئيس الحكومة القيام باستشارات نيابية لتسمية الحكومة. هذا يعني أن على رئيس الحكومة أن يأخذ بخيارات المجلس، رغم أنه غير ملزم بذلك.
القوى الحزبية اليسارية طالبت بعلمنة الدولة، وإنهاء حكم المارونية السياسية. وافقت الأحزاب المارونية، وكذلك الكنيسة، على علمنة الدولة. لكن المسلمين رفضوا ذلك.
هنا أصبح المجلس النيابي حاكم السلطة التنفيذية. وبذلك، فقدت السلطة التنفيذية قدرتها على قيادة الحكم باستقلالية.
نص اتفاق الطائف أيضاً، على تعديل واقع المجلس النيابي. هذا الأمر لم يتم. توقفت تعديلات اتفاق الطائف بضغط خارجي. لم يتم تعديل واقع المجلس، فيظل هيكلاً يعكس الواقع الانقسامي في الشارع، ويبقي بالتالي هذا الخارج (سورية في حينه) مسيطراً على آلية النظام في البلاد.
كلنا يعلم من هم الذين كانوا حلفاء سورية الأساسيين في البلاد، نبيه بري ووليد جنبلاط، وبعد أن أُبعد إيلي حبيقة عن قيادة القوات، وُضع خليفته سمير جعجع الذي رفض الهيمنة السورية في السجن. كان بري حليف الأسد، فيما العلاقة مع حزب الله كانت ظرفية، بحكم العلاقة والتحالف مع إيران. فحزب الله حزب إيراني بامتياز، لكن أُخضع للقرار السياسي لحافظ الأسد. اهتمّت إيران مدعومة من الأسد بفتح جبهة الجنوب لها عبر حزب الله، واهتم الأسد بدعم من إيران بتكريس هيمنته على النظام السياسي الداخلي للبنان.
لا ننسى طبعاً دور الرئيس الراحل رفيق الحريري. لكن هذا الدور لم يبدل من حقيقة أن الهيمنة السورية جعلت نبيه بري ووليد جنبلاط أقوى سياسيين في البلاد. ابتعد حزب الله عن الشأن الداخلي، وتبادل الدعم مع بري بحيث يؤيده بري في حربه ضد إسرائيل كمقاومة، مقابل دعم الحزب لبري كونه شيعياً، لتولي رئاسة المجلس النيابي. أصبح بري الحاكم بأمره طوال الفترة بعد الطائف، خاصة وأنه أخلص لوعده بدعم حروب الحزب ضد إسرائيل.
بعد الانسحاب السوري: أي مصير للطائف؟
أخي المواطن:
خرج السوريون من لبنان عام ٢٠٠٥، أي منذ عشرين سنة. فلماذا لم يُستكمل تطبيق اتفاق الطائف؟
الهيمنة السورية جعلت نبيه بري ووليد جنبلاط أقوى سياسيين في البلاد. ابتعد حزب الله عن الشأن الداخلي، وتبادل الدعم مع بري
مات حافظ الأسد عام ٢٠٠٠. خلفه ابنه بشار. بسطت إيران هيمنتها على الحكم في سورية. انكسر شرط عدم تدخل حزب الله في الشأن الداخلي اللبناني، وأصبح بالتالي لاعباً قوياً في تقرير الشأن المحلي، ودائماً لمصلحة إيران. لم يعد من الممكن استكمال اتفاق الطائف، فحزب الله لا يريد تعديل الواقع.
أما آن لنا أن نعمل الآن على استكمال اتفاق الطائف وتعديل واقع المجلس النيابي ليصبح الحكم حكم الشعب فعلاً؟
أتمنى أن تجعل تصويتك قوة جارفة للتعبير وتغيير واقعك المرير.
اقرا ايضا: حزب الله نحو التحوّل السياسي وتحجيم البنية الأمنية العسكرية

