منذ تسلّم الجنرال قاسم سليماني قيادة “فيلق القدس” عام 1998، بدأت طهران تنظر إلى العراق كساحة رئيسية لتوسيع نفوذها. فالتجربة اللبنانية مع حزب الله كانت بالنسبة للإستراتيجية الإيرانية نموذجًا ناجحًا يمكن استنساخه في مجتمعات شيعية أخرى، وفي طليعتها العراق بعد سقوط نظام حزب البعث عام 2003.
لكنّ الطريق لم يكن سهلًا، إذ احتاجت إيران إلى مرجعية دينية ذات رمزية شعبية لتشكيل نواة مشروع مقاوم عراقي، فبدأت محاولاتها مع السيد محمد باقر الحكيم، ثم وجدت في السيد مقتدى الصدر الوريث الطبيعي لخط الصدر إمكانية لاستنساخ تجربة مشابهة لحزب الله.
توسّع ساحات المواجهة بعد 11 أيلول
هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 وما تلاها من غزو أميركي لأفغانستان ثم العراق، دفعت إيران إلى توسيع أذرعها في المنطقة. ومع صعود سليماني، أصبحت فيلق القدس اليد المنفذة لسياسات دعم “حركات التحرر” من لبنان وفلسطين إلى اليمن وأفغانستان.
في هذه المرحلة، كان العراق ساحة واعدة: سقوط النظام البعثي فتح الباب أمام القوى الشيعية لتتصدّر المشهد، وهو ما شجّع إيران على الاستثمار في بناء أذرع عقائدية وعسكرية، على غرار حزب الله في لبنان.
كان الرهان الإيراني الأول على السيد محمد باقر الحكيم الذي عاد إلى العراق بعد 2003، بصفته شخصية دينية ذات امتداد عائلي وشعبي. غير أن مشروع الحكيم اتجه نحو المشاركة في بناء الدولة والعمل السياسي، بعيدًا عن الخيار المقاوم المسلّح. هذا ما جعل إيران تدرك أن آل الحكيم كعائلة سياسية ودينية سيظلون جزءًا من اللعبة السياسية، لا المقاومة المسلحة، وبالتالي لا يلبّون حاجة طهران لمشروع “نسخة عراقية من حزب الله”.
مقتدى الصدر.. زعامة الوراثة
بعد اغتيال والده السيد محمد محمد صادق الصدر عام 1999، وجد مقتدى الصدر نفسه الوريث الأبرز لخط والده الشعبي. ومع سقوط النظام في 2003، أصبح في موقع مؤهل لتشكيل نواة مقاومة عراقية.
لكن العلاقة بينه وبين إيران لم تكن سهلة، إذ سرعان ما اصطدمت طهران بعدة عقبات جعلت مشروعها يتعثر. فالصدر على الرغم من خطابه الإسلامي الشعبي، لم يكن مطواعًا بالكامل في يد إيران، بل حافظ على مسافة مقلقة لها، تجمع بين التعاون والتنافس.
المعضلة الكبرى تعود إلى موقف المرجع السيد محمد محمد صادق الصدر من ولاية الفقيه. فهو كان من القلائل في النجف الذين أقرّوا بالفكرة، لكن بشروط محددة: أن يكون الولي الفقيه هو “الأعلم من الأحياء” في الفقه والمعرفة.
من هذا المنطلق، لم يعترف الصدر بأعلمية السيد علي الخامنئي، ورأى أن ولايته لا تتعدى حدود إيران، بينما “أمر المسلمين” يحتاج إلى فقيه أعلم. هذه الرؤية زرعت بذور قطيعة فقهية – سياسية مع طهران، إذ أنكر الصدر عمليًا شرعية ولاية الخامنئي على الشيعة خارج إيران.
حادثة قم: بداية التوتر المفتوح
في عام 1998، أرسل السيد محمد صادق الصدر قريبه السيد جعفر الصدر إلى قم لفتح مكتب هناك، لكن السلطات الإيرانية أغلقت المكتب واعتقلت القائمين عليه. كان ذلك أول مؤشر على التوتر الحقيقي بين الطرفين.
ثم جاء اغتيال الصدر عام 1999 ليترك فراغًا ضخمًا في العراق، وليفتح الباب أمام مقتدى الصدر كزعيم شاب، ورث شعبية والده لكنه ورث أيضًا إرث الخلاف مع إيران.
إيران ومأساة “الاستنساخ الناقص
محاولة إيران استنساخ تجربة حزب الله في العراق اصطدمت بواقع مختلف:
* بيئة العراق أكثر تعقيدًا من لبنان، وفيها مراكز دينية قوية مستقلة عن ولاية الفقيه.
* مقتدى الصدر لم يكن مرجعًا دينيًا متقدّمًا، لكنه امتلك قاعدة شعبية واسعة وصوتًا وطنيًا مستقلًا، الأمر الذي صعّب إخضاعه كليًا لإيران.
* الانقسامات داخل البيت الشيعي العراقي بين تيارات سياسية (آل الحكيم، الدعوة، بدر…) حالت دون بناء كيان موحد على النمط اللبناني.
الصدريون والقطيعة مع إيران
بعد اغتيال السيد محمد محمد صادق الصدر، أقيمت مجالس عزاء في قم شارك فيها مسؤولون إيرانيون كبار. لكن أنصار الصدر هاجموا شخصيات من المجلس الأعلى الإسلامي، ووقعت توترات انتهت بتدخل الأمن الإيراني واعتقالات واسعة.
هذه الحادثة كرّست القطيعة النفسية بين التيار الصدري والجمهورية الإسلامية، ورسّخت في الوعي الصدري صورة إيران كدولة تسعى للهيمنة لا للشراكة.
رغم كل الخلافات التاريخية، لم تنقطع العلاقة نهائيًا. فإيران لا تستطيع تجاهل ثقل الصدر الشعبي والسياسي في العراق، والصدر من جهته يحتاج إلى الموازنة بين رفضه الهيمنة الإيرانية وبين إدراكه أن لطهران نفوذًا لا يمكن تجاهله.
لكن الخلاف العقائدي حول “ولاية الفقيه” بقي جوهريًا: التيار الصدري يعتبر أن المرجعية النجفية هي صاحبة القول الفصل، بينما إيران تتمسك بولاية خامنئي. هذا الخلاف يمنع حتى اليوم ولادة “حزب الله عراقي” كامل الولاء لطهران.
إرث الصدر الأب.. عبء على إيران
فتوى السيد محمد محمد صادق الصدر عام 1998 التي قللت من شرعية ولاية خامنئي العامة ما زالت حجر عثرة أمام أي تقارب كامل. هذه الفتوى اعتُبرت في طهران تحديًا عقائديًا، وأنتجت شبه قطيعة ما زالت تتكرر في محطات عديدة.
تحاول إيران منذ عقود استنساخ تجربة حزب الله في العراق، ورأت في مقتدى الصدر والتياره فرصة مناسبة لذلك. لكن التاريخ المليء بالشكوك والخلافات العقائدية حال دون تحقيق الهدف.
اليوم، تبقى العلاقة بين إيران والتيار الصدري علاقة ملتبسة: تعاون عند الحاجة، وتنافس عند المفاصل الكبرى. أما مشروع “الحزب الله العراقي”، فقد ظل ناقصًا، لأن مقتدى الصدر اختار أن يكون زعيمًا عراقيًا بمرجعية نجفية، لا تابعًا مباشرًا لولاية الفقيه في طهران.
اقرا ايضا: إبراهيم ريحان: اطمئنان لبنان مفرط بعد «ضربة قطر»..فكلّ شيء بات مباحاً لـ«نتنياهو»

