لم تمرّ الغارة الإسرائيلية على مقر قادة حركة حماس في الدوحة مرور الكرام، إذ ما تزال تداعياتها تثير جدلاً واسعاً داخل إسرائيل وخارجها، بينما تفتح في الوقت نفسه أبواباً سياسية وأمنية جديدة على المنطقة، من لبنان وصولاً إلى سوريا. وفيما بدت نتائج العملية غير حاسمة حتى اللحظة، فإن رسائلها الاستراتيجية تخطّت حدود قطر لتطال ملفات كبرى متشابكة، في طليعتها مستقبل المواجهة مع حماس، العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية، والتوازنات الإقليمية الحساسة.
غموض حول حصيلة الضربة في قطر
كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي أنّ العملية الجوية التي استهدفت فيلا قيادية لحماس في الدوحة نُفِّذت بذخيرة محدودة نسبياً، إذ استُخدم نحو عشر قنابل فقط، بهدف تقليل الخسائر الجانبية وتجنّب إصابة مدنيين قطريين. ورغم الدقة العالية للهجوم، فإن المبنى لم يُدمَّر كلياً، ما أبقى الباب مفتوحاً أمام تكهنات حول مصير المستهدفين.
إسرائيل قدّرت أنّ ستة من كبار قادة حماس كانوا داخل الموقع، لكن المؤشرات الأولية ترجّح أنهم لم يُقتلوا، وربما أصيب بعضهم بجروح طفيفة فقط. ولهذا، اعترف مسؤولون عسكريون بأن “الحسم يحتاج أياماً إضافية”، وأن العملية قد لا تكون حققت كامل أهدافها. هذه الضبابية زادت من حدة النقاش داخل إسرائيل، حيث تبرز تساؤلات عمّا إذا كانت الغارة محاولة رمزية لإيصال رسالة ردع أكثر من كونها ضربة قاصمة.
توتر بين ترامب ونتنياهو
لم يتأخر الموقف الأميركي في الظهور. فقد نقلت صحيفة وول ستريت جورنال أن الرئيس دونالد ترامب اتصل برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منتقداً القرار، واصفاً استهداف قيادات حماس داخل قطر بأنه “غير حكيم”. لكن نتنياهو دافع عن نفسه مؤكداً أن الفرصة كانت ضيقة، وأنه استغلها دون تردد.
الاتصال الثاني بين الرجلين كان أكثر ودّية، إذ سأل ترامب نتنياهو عن نجاح العملية، في إشارة إلى تردده بين الاعتراض السياسي والالتزام بالتحالف الاستراتيجي. ورغم ذلك، أعلن ترامب لاحقاً أنه “غير سعيد” بالهجوم، ما يعكس قلقاً أميركياً من توسع دائرة الحرب إلى دول صديقة مثل قطر، بما يهدد شبكة التحالفات التي تبنيها واشنطن في الخليج.
زيارة لودريان: وعود الفرنسية
على وقع ارتدادات الغارة، كان لبنان يستقبل الموفد الفرنسي جان إيف لودريان، حاملاً رسائل دعم من الرئيس إيمانويل ماكرون. من بعبدا، شدّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على أنّ الإصلاحات المالية والاقتصادية مستمرة، وأن الجيش ينفّذ خطة أمنية واسعة جنوب الليطاني، رغم استمرار الخروقات الإسرائيلية.
لودريان أبدى ارتياحاً للتقدّم اللبناني، ولا سيما إقرار قوانين إصلاحية وخطة حصرية السلاح، معتبراً أن هذه الخطوات ستعزز فرص الدعم الدولي. وتركّزت محادثاته على التحضير لمؤتمرين دوليين: الأول لدعم الجيش اللبناني، والثاني لإعادة الإعمار، في ظل قناعة فرنسية بأن استقرار المؤسسة العسكرية هو المدخل لإعادة بناء الاقتصاد.
لكن خلف الخطاب الإيجابي، يدرك اللبنانيون أن التحديات ضخمة: الاحتلال الإسرائيلي ما زال يعيق الانتشار الكامل للجيش على الحدود، والاعتداءات لم تتوقف، فيما التعويل على الدعم الخارجي يبقى مرهوناً بمدى قدرة الداخل على التماسك السياسي.
جنوب لبنان والبقاع تحت النار
ميدانياً، تواصلت الغارات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية. ففي الجنوب، استهدفت مسيّرة دراجة نارية بين عين بعال والبازورية، ما أدى إلى مقتل وسيم جباعي من بلدة عيتيت. كما دمّرت القوات الإسرائيلية فجراً مبنى تابعاً لمدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة في أطراف عيتا الشعب، في رسالة تصعيدية واضحة.
وفي البقاع، نفذ الطيران الإسرائيلي سلسلة ضربات على السلسلة الشرقية بين جنتا وقوسايا، قالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إنها طالت “بنى تحتية لحزب الله قرب الحدود السورية”. في المقابل، أعلنت الداخلية السورية تفكيك خلية تابعة للحزب بريف دمشق الغربي، كانت تخطط لشن عمليات داخل سوريا، وصادرت منصات إطلاق وذخائر.
هذا التداخل بين الجبهتين اللبنانية والسورية يؤكد أن الصراع لم يعد محصوراً بجغرافيا واحدة، بل بات شبكة متشابكة من الرسائل العسكرية والسياسية.
رسائل متشابكة ومخاطر مفتوحة
الغارة الإسرائيلية على الدوحة، رغم محدودية نتائجها، حملت رسائل مركبة: أولاً، إن إسرائيل مستعدة لتوسيع نطاق عملياتها حتى داخل دول صديقة للغرب؛ ثانياً، إن الردع ضد حماس يحتاج إلى جرأة غير مسبوقة، ولو على حساب توتير العلاقات الإقليمية.
لكن في المقابل، تبرز مخاطر كبيرة: احتمال تدهور العلاقات مع واشنطن والدوحة، اهتزاز صورة الردع إذا تبيّن أن قادة حماس نجوا، وفتح الباب أمام تصعيد متبادل على أكثر من جبهة. لبنان يبقى ساحة هشة وسط هذا المشهد، فيما فرنسا تحاول تثبيت استقرار نسبي عبر مبادرات دعم الجيش والإعمار.
في الخلاصة، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من التوتر المتعدد المستويات: عملية إسرائيلية في قطر، ضغوط أميركية متناقضة، ساحة لبنانية مضطربة، وامتداد للصراع في العمق السوري. وكل ذلك يجري تحت غطاء ضبابي: لا حسم عسكرياً في الأفق، ولا ضمانة سياسية لوقف الانزلاق نحو تصعيد أوسع.
اقرا ايضا: الغارة الإسرائيلية على قطر: رسائل نارية تتجاوز الدوحة.. ولبنان في قلب العاصفة

