يدخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية مع تسارع الأحداث على أكثر من جبهة. فمن جهة، تواصل إسرائيل التصعيد العسكري عبر غارات على جرود الهرمل، في رسالة مزدوجة تستهدف الداخل اللبناني واطلاق الرسائل الإقليمية التي تخدم اهدافها. ومن جهة أخرى، يشهد بيروت حراكاً دبلوماسياً أميركياً متجدداً مع وصول نائبة المبعوث الرئاسي مورغان أورتاغوس وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، في وقت لا تزال تداعيات خطة الحكومة لحصر السلاح تتفاعل، وسط ضغوط إسرائيلية وتباين في المقاربات الأميركية – الإسرائيلية حول سبل التعامل مع «حزب الله». وبين هذين المسارين، جاء مقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول غزة ليضيف بُعداً إقليمياً ينعكس على المشهد اللبناني.
غارات الهرمل ورسائل التصعيد
صباح اليوم، شنّت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة غارات على جرود السلسلة الشرقية لمدينة الهرمل، مستهدفةً مناطق البريصا، النبي موسى، الخرايب والمغر، إضافة إلى محيط بلدتي الزغرين والنبي موسى. وأدت الضربات إلى انفجارات متتالية، وأحدثت استنفاراً ميدانياً واسعاً، ما أعاد التذكير بأن الجبهة اللبنانية – السورية تبقى ورقة ضغط بيد تل أبيب كلما تعقّدت المعادلات.
وبالتوازي، كشفت صحيفة *الشرق الأوسط* أنّ إسرائيل وجّهت تهديداً مباشراً إلى لبنان بمواصلة الضغط العسكري، رداً على القرارات الحكومية الأخيرة بشأن جمع السلاح. أوساط سياسية إسرائيلية وصفت القرارات بأنها «ضبابية وسرّية» وتفتقد إلى جدول زمني، معتبرة أنّ «حزب الله» تلقّاها بارتياح كونها تتضمن تسويات أقرب إلى مطالبه.
عودة أورتاغوس وزيارة كوبر
الزمن السياسي لا يقلّ سخونة عن الميدان العسكري. إذ شهدت بيروت وصول نائبة المبعوث الرئاسي الأميركي للشرق الأوسط مورغان أورتاغوس، لتلحق بقائد القيادة المركزية الأميركية الجديد براد كوبر، الذي زار لبنان بعد جولة في إسرائيل شملت تقييماً للوضع الميداني مع رئيس الأركان الإسرائيلي وزيارة مستوطنات حدودية.
زيارة أورتاغوس غير المعلنة المدة تزامنت مع لقاء كوبر بقائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، بحضور رئيس لجنة الإشراف الخماسية مايكل ليني، حيث جرى بحث دعم الجيش اللبناني ومواكبة تنفيذ اتفاق وقف النار. لجنة الإشراف، التي تضم لبنان وإسرائيل و«اليونيفيل» إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا، تجد نفسها اليوم أمام اختبار إعادة تفعيل دورها مع ارتفاع منسوب المخاطر في الجنوب.
خطة حصرية السلاح: الالتزام يبدأ
في الداخل، لا تزال أصداء جلسة مجلس الوزراء الأخيرة تتردد، بعدما أقرّت خطة الجيش لحصر السلاح، بما فيه سلاح «حزب الله»، بيد الدولة. ورغم محاولة بعض الأطراف تصوير الخطة كتراجع، فإن معلومات موثوقة أكدت لـ«النهار» أن الجلسة أفضت إلى تحديد مهلة ثلاثة أشهر لإنجاز المرحلة الأولى من الخطة، عبر تنظيف منطقة جنوب الليطاني من أي سلاح غير شرعي، على أن تُستكمل المراحل التالية تباعاً.
وتتضمن الخطة كذلك، تكليف الجيش أيضاً بمنع أي حمل أو نقل للسلاح في مختلف المناطق اللبنانية خلال الفترة نفسها، على أن يرفع تقريراً شهرياً إلى مجلس الوزراء حول مسار التنفيذ. هذه الآلية تمثّل التزاماً عملياً غير مسبوق، لكنها تظل محفوفة بالصعوبات الميدانية والاستخباراتية، ما يفسّر امتناع الجيش عن تحديد مهل زمنية دقيقة لما بعد المرحلة الأولى.
اقتراح ترامب يفاجىء غزة
في موازاة ذلك، خطف اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأضواء، إذ قدّم عبر الإعلام الإسرائيلي مبادرة وُصفت بأنها الأكثر جرأة منذ اندلاع الحرب على غزة. المبادرة تقترح الإفراج عن جميع الرهائن مقابل إطلاق آلاف الأسرى الفلسطينيين، ووقف العملية العسكرية في غزة، وفتح مسار تفاوضي مباشر بإدارة ترامب نفسه.
ورغم التحذيرات الصارمة التي وجّهها ترامب إلى حركة حماس، فإن المبادرة تحمل في طياتها رسائل أبعد من الساحة الفلسطينية، إذ تأتي متقاطعة مع الضغوط الأميركية في لبنان، وتلمّح إلى رغبة واشنطن في تثبيت تهدئة شاملة بالمنطقة تسمح ببناء مسارات سياسية جديدة.
يقف لبنان اليوم عند مفترق طرق: الغارات الإسرائيلية على الهرمل تكشف حدود الضغط العسكري، فيما الحراك الأميركي المتجدد يسعى لإعادة ضبط الإيقاع السياسي والعسكري في الجنوب. وبين خطة لبنانية واعدة لحصر السلاح، وضغوط إسرائيلية للذهاب أبعد من ذلك، يبقى المشهد مرشحاً لمزيد من التصعيد ما لم تتوافر ضمانات فعلية لنجاح أي مسار تفاوضي على المستويين اللبناني والإقليمي.
إقرأ أيضا: سلاح الحزب..من حماية لبنان إلى عزل الشيعة!

