شيعة حزب الله بعد الهزيمة: ارتداد إلى الذات وتحميل المسؤولية للآخرين

من طبيعةِ الهزائمِ أن ينتُجَ عنها ارتدادٌ على الذَّاتِ بالنَّقدِ والبحثِ عن الأسبابِ التي أدَّت إلى هذه الهزيمة، بخاصَّةٍ إذا كان المهزومُ شعبًا أو مُجتمعًا أو حِزبًا. لكن في الحالةِ العقائديَّةِ، أو الآيديولوجيَّة، فإنَّ الارتدادَ أحيانًا يكونُ إلى الذَّاتِ وليس عليها. ويترافقُ الارتدادُ إلى الذَّاتِ مع ارتدادٍ على «الآخر». وأحيانًا يكونُ المَهزومُ المرتدُّ إلى ذاتِه مُضطَّرًّا لخَلقِ هذا الـ «آخر» ليرتدُّ عليه.

تُشكِّلُ التَّجاربُ الشِّيعيَّةُ عمومًا، والتَّجربةُ الشِّيعيَّةُ المُعاصرةُ على وجه الخصوص، مادَّةً غنيَّةً للدَّراسةِ والتَّحليل. ولا شكَّ أنَّ «حزب الله»، بنجاحاتِه وإخفاقاتِه، هو ذروةُ التَّجربةِ الشِّيعيَّةِ والاختبارُ الحقيقيُّ لها، والذي أثبتَ فشلًا ذريعًا على المستويين العسكري والسِّياسيِّ من جهة، وعلى المستوى الاجتماعي من جهةٍ ثانية. والحديثُ هنا عن فشلِه كتجربةٍ للشِّيعةِ اللُّبنانيين، وكذلك عن فشلِ تجربةٍ المعارضين للمشروع الذي حملَه «حزب الله» للشِّيعة ولُبنان.

الارتداد الى الذات بعد الهزيمة

بعدَ الهزيمةِ المَهولةِ التي تلقَّاها «حزب الله» في حربِه الأخيرةِ مع «إسرائيل»، والتي تركتْ جُرحًا في ذاكرة اللبنانيين الشِّيعةِ لن يندملَ قبلَ ولادة جيلَيْن أو ثلاثةٍ منهم. بعدَ هذه الهزيمةِ، ارتدَّ مُجتمع «حزب الله» إلى الذَّاتِ التي صُنعتْ بعنايةٍ كبيرةٍ على مدى أربعةِ عقودٍ من أحلامِ مُحاربةِ العالَم على طريق الدَّولةِ الشِّيعيَّةِ الأوسع.

فهذا المُجتمعُ، وبخاصَّةٍ الأجيال التي يجوزُ القولُ أنَّ «حزب الله» خلقَها وصنعها بنفسِه، عاشتْ على حُلُمِ الصَّلاةِ في القُدسِ بإمامةِ المهديِّ، مُعتبرةً أنَّ هذا الحلم يغدو قريبًا مع كُلِّ ساعةٍ للشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ في هذا العالَم. وبطبيعةِ الحالِ، إنَّ افتراضَ إمكانيَّةِ تحقُّقِ مشروعٍ واسعٍ وضخمٍ كهذا، يعني أنَّ هذا المُجتمع لا يرى أنَّه قادرٌ على مُحاربَةِ العالَمِ وحسب، بل يرى نفسَه قادرًا على الانتصارِ عليه أيضًا. وقد ساهمَ وجودُ الأمين العام الأسبق لحزب الله، السيد حسن نصر الله، على رأس الحزبِ لثلاثةِ عقودٍ، في تغذية هذا الشُّعور وترسيخه لدى أنصارِه واعتبارِه عقيدةً لا محلَّ للنِّقاشِ فيها، فضلًا عن مُساءلتها. مكَّنَه من ذلكَ صفاتُه الشَّخصيَّةُ غيرُ العاديَّة، ووجودُه في ظروفٍ موضوعيَّةٍ فعَّلتْ هذه الصِّفات.

لا شكَّ أنَّ الجسمَ العسكريَّ لـ «حزب الله» قد هُزمَ في هذه الحرب، وتلقَّى جسمُه السِّياسيُّ هزائمَ سياسيَّةً ولم يزل يتلقَّى. لكنَّ الشَّيءَ الأكثرَ انهزامًا لدى «حزب الله»، أو بالأحرى لدى مُجتمع «حزب الله»، هو هذه الذَّات المُتورِّمةِ التي عاشَ فيها منذُ العام 2005؛ العام الذي شهدَ بدايةَ بروزِ وهيمنةِ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ التي شهدتْ نهايةَ عصرِها الذَّهبيِّ مع اغتيال السَّيِّد نصر الله الذي شكَّلَ ضربةً قويَّةً جدًّا لهذه الذَّات، التي كانتْ تطمحُ إلى مُقاتلةِ العالَم، وكانَ اللُّبنانيُّونَ يُطالبونَها بضماناتٍ لتكفَّ شرَّها عنهم، فباتَتِ اليوم تبحثُ عن ضماناتٍ، مشروعةٍ وغير مشروعةٍ، من العالَمِ نفسِه الذي أرادتْ قِتالَه.

ارتدَّ مُجتمع «حزب الله» إلى الذَّاتِ التي صُنعتْ بعنايةٍ كبيرةٍ على مدى أربعةِ عقودٍ من أحلامِ مُحاربةِ العالَم على طريق الدَّولةِ الشِّيعيَّةِ الأوسع.

بطبيعةِ الحال، كان لا بُدَّ لهذه المذبحةِ المَهولةِ التي لحقتْ بالشِّيعةِ في جنوب لبنان والبقاع، والتي يتحمَّلُ «حزبُ الله» المسؤوليَّةَ الكاملةَ عنها؛ كان لا بدَّ لها أن تنعكسَ على الخطابِ العامِّ لمُجتمع «حزب الله» الذي لم تزل للحزبِ قُدرةٌ على تحديدِ الإطار العام لسرديَّتِه فقط، في حين أنَّه كانَ يُحدِّدُ السَّرديَّةَ بتفاصيلِها قبل الحرب. وإحدى هذه الانعكاساتِ، ولعلَّها الأخطر، هي تحميلُ القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ و«الأمَّة» مسؤوليَّةَ ما جرى على الشِّيعةِ في لُبنان، بعبارةٍ اختصرَها أحدُ إعلاميي «محور الممانعة» بما مؤدَّاه: فليُحرِّر الفلسطينيُّون أرضَهم ولتذهب «الأمَّة» وتُقاتل «إسرائيل».

تحميل الأمة مسؤولية الهزيمة

وبعدَ أنْ كانَ توجيهُ اللَّومِ إلى «الأُمَّة» حالةً في المُجتمع، بدأَ يَخرجُ إلى نطاقِ إعلاميي المحور الذين كان لهم دورٌ أساسيٌّ في صناعةِ هذه الذَّاتِ عندَ مُجتمع «حزب الله». وهذا يدلُّ بشكلٍ واضحٍ على أنَّ مُجتمع الحزب لم يرتدْ على ذاتِه لنقدِ تجربتِه التي أوصلتْه وأوصلتْ الشِّيعةَ، واللُّبنانيِّين عامَّةً، إلى الخراب الذي نحن فيه، وإنَّما ارتدَّ إلى ذاتِه المُتخيَّلَةِ التي صنعها بنفسِه لنفسِه. و«الأمَّةُ» هنا هي ذاكَ «الآخر» الذي يحتاجُه «حزب الله» لتحميلِه مسؤوليَّةَ الهزيمة. وتلعبُ الثَّقافةُ الشِّيعيَّةُ المهيمنة اليوم دورًا كبيرًا في توسيع الهُوَّةِ بين مجتمع «حزب الله» وخروجِه من حالةِ الإنكار ومن هذه التروما الشِّيعيَّة إن جاز التَّعبير، إذْ أنَّ هذه الثَّقافة تعيشُ وتتجدَّدُ بالدَّم!

في الواقع، إنَّ تحميل «الأمَّة» مسؤوليَّة «جبهة الجنوب» ليس خطابًا جديدًا على الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ، فالسَّيد موسى الصَّدر حمَّلَ غيرَ مرَّةٍ مسؤوليَّةَ «تفجير جبهة الجنوب» للعرب، بل حمَّلَ العالَمَ كُلَّه مسؤوليَّةَ اجتياح لُبنان عام 1978. لكنَّ حديثَ الصَّدر هذا كانَ في واقعٍ مُختلفٍ تمامًا عمَّا هو عليه اليوم. حينَها، لم يكن للشِّيعةِ حزبٌ شيعيٌّ استُخدِمَ لتفجير الجبهة، وإنَّما الذين فجَّروا الجبهة هم فصائل فلسطينيَّة ولُبنانيَّة كانت تحظى بدعمٍ كبيرٍ من الشِّيعةِ الذين انخرطوا فيها بشكلٍ واسعٍ نسبيًّا. كما أنَّ المناخ السِّياسيِّ في المنطقة كان مُختلفًا تمامًا عن مناخ اليوم.

أمَّا في الحربِ الأخيرةِ، وقبلَها في تمُّوز 2006، فإنَّ الذي فجَّر جبهة الجنوب هو حزبٌ شيعيٌّ صِرفٌ مسؤولٌ، بحُكم الأمر الواقع، عن شؤون الطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ و«جبهاتِها»؛ هو «حزب الله» الذي اختار بكامل إرادته فتحَ الجبهةِ، بغضِّ النَّظرِ عن أهدافِ هذا الفتح، غيرِ المُبين! وهو الذي أبقى الطَّائفةَ الشِّيعيَّةِ في حالةِ تعبئةٍ عامَّةٍ لأكثرِ من خمس عشرةَ سنةٍ من القتلِ والقِتال والموت!

إنَّ تحميل «الأمَّة» مسؤوليَّة «جبهة الجنوب» ليس خطابًا جديدًا على الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ، فالسَّيد موسى الصَّدر حمَّلَ غيرَ مرَّةٍ مسؤوليَّةَ «تفجير جبهة الجنوب» للعرب، بل حمَّلَ العالَمَ كُلَّه مسؤوليَّةَ اجتياح لُبنان عام 1978

«الأمَّة» لا تنقلبُ على طائفة

من هُنا، إنَّ الأسئلةَ التي توضعُ برَسم «حزب الله» أوَّلًا، وبرسمِ «الأمَّة» ثانيًا هي: لماذا «الأمَّة» نفسَها التي رفعتْ صورَ السَّيد نصر الله في السعودية والأردن ومصر عام 2006، لماذا هذه «الأمَّة» نفسَها تركتْ «حزب الله» نفسَه وحيدًا في معركتِه المصيريَّة؟ لماذا «الأمَّة» نفسَها التي عمَّرَتْ ما دُمِّرَ عام 2006، لم تُعمِّر حجرًا واحدًا إلى اليوم؟ بعبارةٍ أُخرى، هل حقًّا لم يزل «حزب الله» في نظرِ «الأمَّة» هو نفسَه «حزب الله» الذي كان عام 2006؟

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنَّ الدُّولَ المقصودة بـ «الأمَّة» هي الدُّول العربيَّةُ الوحيدة التي لم تتغيَّرْ أنظمتها السِّياسيَّة بعدَ أحداث «الرَّبيع العربي»؛ وإذا أخذنا بعَيْن الاعتبار أنَّ الأنظمةَ السِّياسيَّةَ لا تنسى ولا تغفرْ؛ وإذا أكَّدنا المؤكَّدَ بالقول أنَّ الأنظمة السِّياسيَّةِ تتعاطى السِّياسة وليس الأخلاق والقيم؛ وإذا حصَّلْنا الحاصل بالقول أنَّ «الأمَّة» لا تنقلبُ على طائفة، والأكثريَّة لا تنقلبُ على الأقليَّة؛ والدُّول لا تنقلبُ على الأحزاب، وإنَّما العكسُ هو الصَّحيح؛ إذَّاكَ يكونُ السُّؤال: ألم يكن «حزب الله» يُؤسِّسُ لهذه المذبحةِ، من حيثُ يدري أو لا يدري، حين وضعَ نفسَه في خطٍّ مُعاكسٍ لـ «الأمَّة»؟

ليسَ المُراد من الحديث الدِّفاع عن «الأمَّة»، إذْ أنَّ الدِّفاعَ عن كيانٍ ما يفترضُ بالضَّرورةِ وجود هذا الكيان. ولو حدَّقنا قليلًا في واقعِ أمرِنا، لرأينا أنَّه لا وجودَ لهذا الكيانِ المُسمَّى بـ «الأمَّة». لا هي أمَّةٌ عربيَّةٌ واحدةٌ، ولا هي أمَّةٌ إسلاميَّةٌ واحدة. فاليوم، يبدو صعبًا للغايةِ أنْ تجمعَ نظامَيْن عربيَّيْن لا يتبادلان التَّوجُّسَ والرِّيبة.

أمَّا إسلاميًّا، فإنَّه من السُّخريةِ في مكانٍ الحديثُ عن أمَّةٍ إسلاميَّةٍ في الوقتِ نفسِه الذي تتصارَعُ فيه على المنطقةِ العربيَّةِ «المُسلمة» ثلاثُ دولٍ، اثنتان منها «مسلمتان»؛ إيران وتركيا. فضلًا عن أنَّ مُصطلح «الأمَّة الإسلاميَّة» باتَ مصطلحًا فارغًا لا يحملُ أيَّ معنًى سياسيٍّ أو اقتصاديٍّ. إنَّما المُرادُ هو فتحُ النِّقاشِ على المستوى الشِّيعيِّ أوَّلًا، واللُّبنانيِّ ثانيًا، حول كيفية تصويب الأمر وإعادةِ تعريف أنفسِنا وتحديدِ علاقتنا بـ «الآخر» وتخليص هذه الطَّائفةِ منَ الجُنون الذي يقودُها إلى جحيمٍ لا قعرَ لها. نقاشٌ لا لشيءٍ سوى الحِفاظ على ما تبقَّى من أهل وجغرافيا الطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ في لُبنان؛ هذه الطَّائفةُ التي أُرهِقتْ كفايةً، وآن لها أنْ تستيقظَ من أحلامِها العابرةِ للحدودِ، وأنْ تضعَ عن كتفِها بُندقيَّةً لم تجلِب لها سوى الموت مرَّةً أُخرى، لا لشيءٍ سوى الإبقاءِ على مَا أبقَتْ عليه الحربُ، وعلى مَنْ أبقى عليه العدوّ!

اقرأ أيضا: باراك وأورتاغوس يقدمان وعودا لدعم نزع السلاح..واليونيفل أداة ضغط إضافية

السابق
رامي مخلوف: يا أهلَنا في شمالِ سوريا استعدّوا للمعركةِ الكبرى ولا تدعوا أحدًا يخدعُكم
التالي
إيران ترفض اتهامات أستراليا وتتعهد بالرد على طرد سفيرها