لم يكن السلاح يومًا في لبنان موضع خلاف حين ارتبط بقضية التحرير والدفاع عن الأرض. ففي زمن الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، كان السلاح عنوانًا للشرف الوطني، ورافعةً لمعادلة الصمود. غير أن السؤال اليوم لم يعد في جوهره: “هل نحن مع السلاح أم ضده؟”، بل بات أعمق وأخطر: “أي سلاح نريد؟ ولأي مشروع يُستخدم؟”.
المقاومة حين تتحوّل إلى عبء
حتى في أيام المقاومة الفلسطينية، لم يتحوّل السلاح إلى عبء على المجتمع أو إلى عامل انقسام داخلي كما هو الحال اليوم. المشكلة تبدأ عندما تخرج المقاومة من إطارها الشعبي المفتوح وتتحوّل إلى جيشٍ نظامي قائم بذاته، فيُسهَّل حصارها وتدميرها كما حصل في الحرب الاخيرة، وتتحوّل من عنوان للتحرير إلى ذريعة للوصاية والسيطرة.
السلاح الوطني لا الطائفي
الشرط الأول لأي مقاومة ناجحة أن يكون سلاحها على مستوى الوطن، جامعًا لكل الفئات والطوائف، لا حكرًا على جهة أو طائفة واحدة. والتجربة الأبرز كانت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية التي وُلدت بعد اجتياح عام 1982، حين امتزجت البنادق تحت راية واحدة في مواجهة الاحتلال.
عام 2000 مثّل لحظة الانتصار والتحرير، لكن رفض دخول الجيش اللبناني إلى المناطق المحررة فتح الباب لسيطرة الحزب منفردًا على الجنوب. هذا الخيار حوّل النصر إلى وصاية، وأقصى الدولة عن دورها الطبيعي. واليوم، لا مفر من تصحيح المسار: الجنوب يجب أن يعود إلى حضن الدولة، والجيش وحده هو الحامي الشرعي للسيادة.
وما زاد الطين بلة أنّ الفاسدين المستقوين بـ”الحركة والحزب” عاثوا في المناطق فسادًا، فنهبوا المشاعات، وخرقوا القوانين، واستباحوا الأملاك العامة باسم المقاومة. وهكذا تحوّل السلاح من حصنٍ للوطن إلى عبءٍ على الناس، ومن رافعة للتحرير إلى ذريعةٍ للتسلّط.
وبالنهاية، لا أحد ينكر فضل المقاومة في مواجهة العدو، لكن السلاح يفقد معناه عندما يتحوّل إلى أداة للسلطة في الداخل. المطلوب اليوم ليس إسقاط السلاح ولا تقديسه، بل إعادة وضعه في مكانه الطبيعي: في كنف الدولة، وتحت راية الجيش، ومن أجل الوطن كله.
اقرا ايضا: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: الذَنْب الألماني والذَنْب الشيعي!

