جاء لاريجاني في زيارة تفقدية الى لبنان بعد العراق، تاركاً خلفه ايران في مواجهة تحولات كبرى بعد حرب الإثني عشر يوماً مع إسرائيل، التي استهدفت مواقع نووية وعسكرية إيرانية، ما زالت طهران تواجه تداعياتها العميقة:
فقدت صورتها الردعية، تضررت البنى النووية والميدانية، وتراجعت الثقة داخل القيادة الإيرانية. فكبرت الانقسامات الداخلية: الإصلاحيون مقابل المتشددين والحرس الثوري. الرئيس پزشكيان يدعو لاستئناف الحوار لتفادي مزيد من المواجهات والضغوط الغربية المتزايدة، فيهاجمه الحرس الثوري.
نظام متهالك لا يعول عليه في مواجهة الأزمات. سواء الأزمات الاجتماعية او الاقتصادية المتفاقمة. فالاقتصاد ايران يمر بأزمة حادة: تضخم يقارب 30%، بنية اقتصادية متهالكة، بطالة وفقر بنسب مرتفعة، خصوصاً في المناطق الريفية والجنوبية. تنامي موجات الاحتجاج: سائقو الشاحنات، المزارعون، العمال، والممرضات خرجوا يطالبون بحقوقهم الأساسية وسط غياب استجابة حقيقية.
حزب الله، فهو أمام اختبار وجودي: إما أن يختار الاندماج في مشروع الدولة اللبنانية ويحافظ على حضوره، أو أن يستمر في لعب دور “الساتراب” المخلص لإيران، وهو طريق قد ينتهي به إلى عزلة قاتلة وربما انتحار سياسي حتمي
أزمة المياه والكهرباء تصعّد الأزمة: قطاعات عدة تواجه انقطاعات حادة وسط موجة حرّ، مما يشعل الاحتجاجات بشكل واسع.
تكاثر مظاهر مقاومة رمزية تنتشر في المدن: من تغيير ملصقات المرور إلى شعارات تلهم الحراك الشعبي.
إيران اليوم أمام معادلة صعبة:
استمرار النهج التصعيدي يعني خطر الاستنزاف الداخلي وتسريع الانقسام بين النخب.
الانفتاح على الدبلوماسية قد يخفف الضغط الاقتصادي لكنه يضعف قبضة التيار المتشدد.
في كل الأحوال، الشارع الإيراني يزداد جرأة، والأزمات المعيشية لم تعد قابلة للترحيل، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين السياسي.
إقرأ أيضا: مستقبل الشيعة بعد خطاب «الحزب» الإنتحاري واستعداء الشركاء في الوطن
في لحظات كهذه، تميل طهران إلى تثبيت حضورها في “الأقاليم الحليفة” لتعويض الارتباك الداخلي بإظهار صلابة خارجية. لبنان، للأسف، يصبح مجدداً مسرح اختبار لرسالة مفادها: النفوذ الإيراني ثابت، وذراعُه (حزب الله) غير قابل للمساس.
تقليد فارسي بطبعة حديثة
زيارة علي لاريجاني بدت كجزء من تقليد فارسي قديم في إدارة النفوذ الإقليمي. فمنذ أيام الإمبراطورية الفارسية، كان الملوك يفضلون السيطرة غير المباشرة على الأقاليم. من أيام الساتراب الأخميني إلى “الحليف المحلي” اليوم، لم تتغير الفكرة: حكم غير مباشر بأدوات محلية قوية تدين للمركز الفارسي بالولاء، وهذا المركز يُمسك بقرار الحرب والسلم.
الفرق أنّ أدوات القرن الحادي والعشرين تمزج العقيدة بالسلاح والتمويل والإعلام. زيارة لاريجاني أقرب إلى جولة “مفتّش نفوذ” منها إلى زيارة دبلوماسية او محطة بروتوكولية: تطمينٌ للحليف، وتذكيرٌ للخصوم، ورسائلُ ضغط مكتومة على الدولة اللبنانية.
تميل طهران إلى تثبيت حضورها في “الأقاليم الحليفة” لتعويض الارتباك الداخلي بإظهار صلابة خارجية. لبنان، للأسف، يصبح مجدداً مسرح اختبار لرسالة مفادها: النفوذ الإيراني ثابت، وذراعُه (حزب الله) غير قابل للمساس
اصبح لدى إيران الحديثة: بدل الساتراب الإداري، الحزب الحليف العقائدي المسلح، وبدل الضرائب هناك التمويل والتسليح، وبدل الجيوش الدائمة هناك ميليشيات محلية قوية الولاء لولاية الفقيه.
من العراق الى لبنان
في العراق، الحشد الشعبي يشكل ذراعاً رئيسياً لتنفيذ سياسات طهران، مع حضور سياسي وعسكري يضمن الحد من أي نفوذ أميركي.
في لبنان، قام حزب الله بدور مشابه، جامعاً بين الهيمنة العسكرية والسياسية والإعلامية، بحيث أصبحت أي سياسة لبنانية أساسية مرهونة بموافقته أو بقرار من طهران.
زيارة لاريجاني، سواء إلى بغداد أو بيروت، يمكن قراءتها كمهمة “مفتش إمبراطوري” يتفقد ولاء الأقاليم الحليفة، يوزع التطمينات حيناً والتهديدات حينًا آخر. لكنه فوجئ بلبنان رافض لهذا الدور.
رسائله الضمنية كانت
التأكيد على بقاء المقاومة: لاريجاني شدد أن سلاح حزب الله جزء من معادلة المنطقة ولا يمكن المساس به.
التهديد الضمني: التحذير من أن أي محاولة لتغيير هذه المعادلة قد تؤدي إلى اضطراب داخلي أو حتى عنف مجتمعي.
إبراز النفوذ الإيراني: الزيارة حاولت تجديد القرار الاستراتيجي في ان الملفات الكبرى تمرّ عبر طهران، وليس بيروت وحدها.
لكن الواقع الجديد يحمل المخاطر على حزب الله نفسه
هنا تكمن المفارقة: تلبية حزب الله لكل ما تريده إيران قد تدفعه نحو انتحار سياسي ومجتمعي.
فهو إذا انخرط في صدامات داخلية أو في مواجهة مفتوحة خدمة لأجندة إيرانية، فقد يفقد الغطاء الشعبي اللبناني الذي راكمه لسنوات. كما ان استمراره تقديم مصلحة طهران على مصلحة لبنان قد يعزله سياسيا ويضعه في مواجهة حتى مع شرائح من بيئته الطبيعية.
في منطق التاريخ، كثير من “الساترابات” التي التزمت على العمياني بأوامر المركز الإمبراطوري كانت أولى ضحاياه عندما تغيّرت الظروف أو تبدلت موازين القوى.
إقرأ أيضا: خطب قاسم وجبات بايته يعاد تسخينها
في المقابل ردت السيادية في لبنان على هذه الرسائل بوضوح: لبنان ليس ساحة تابعة لإيران. أما اذا كانت مطالب واشنطن، هي نفسها مطالب الدولة والشعب اللبنانيين فهل علينا رفضها؟ ما يريده الوطنيون اللبنانيون: دولة ذات سيادة تعمل من أجل:
استعادة مؤسسات الدولة كمرجعية وحيدة للسلاح والقرار.
تحصين القضاء لمحاربة الفساد ومحاسبة المتورطين.
تصحيح الوضع المالي عبر ضبط السوق السوداء وتنظيم شركات الصيرفة.
حماية الاستقرار الاجتماعي ومنع تحويل اللبنانيين إلى أدوات في صراعات إقليمية.
هذه المطالب ليست جديدة، بل تشكل جوهر اتفاق الطائف الذي أراد إعادة بناء الدولة على أسس سيادة القانون والتوازن الوطني.
أما حزب الله، فهو أمام اختبار وجودي: إما أن يختار الاندماج في مشروع الدولة اللبنانية ويحافظ على حضوره، أو أن يستمر في لعب دور “الساتراب” المخلص لإيران، وهو طريق قد ينتهي به إلى عزلة قاتلة وربما انتحار سياسي حتمي.

