خطب قاسم وجبات بايته يعاد تسخينها  

حارث سليمان

لا رغبة لي في الإصغاء إلى خطب الشيخ نعيم قاسم، ولا في تحمّل نبرة غضبه المعتادة، ولا حتى في التعامل بجدية مع تهديداته المتكررة وتحذيراته من حرب أهلية يلوّح بها كلما ضاقت به الاحوال وعصفت بخياراته الاهوال. فالتجربة الطويلة مع حزب الله علّمتنا أنّ هذا الحزب بارع في  إلقاء تبعات كوارثه وخطاياه على غيره، فيما يحتفظ لنفسه بصفة “المقاوم” و “المعلم” الذي يقسم الادوار ويحدد المهمات، ويوزع بتوقيعه الشهادات، تارة بالوطنية لرجال يخجل حاضرهم بتاريخهم، وطورا بالمعرفة والعلم والخبرة لمن لم يعبروا حاجز البكالورية اللبنانية ولو بافادة، ومرة ثالثة بالعمالة والارتهان لقامات وطنية واصحاب  ضمائر احرار، ثم لا يلتفت الى نفسه والى ابناء جلدته فيُجَمِّل عيوبهم ويخفي ارتكاباتهم، ليبقى لا يُسأل ولا يُحاسب. أما وعيد الشيخ نعيم بأن لا حياة في لبنان من دون سلاحه ومقاومته، فهو كلام قديم متآكل فقد بريقه بعد ان فقدت طروحاته ومزاعمه مصداقيتها، وحلت معركة إسناد غزة بكارثتها، وأصبح خطابه يشبه وجبة طعام فاسدة يجري تسخينها،  ولذلك نقول له باستهزاء وصراحة ما قاله الأجداد: “ياما النشامى قبل منك شرفوا…!”

الناس لا يريدون المزيد من الخطب والشعارات؛ ما يريدونه هو الحقيقة والاجابة عن  الأسئلة المسكوت عنها. يريد الجرحى الذين  بُترت أطرافهم وفئقت عيونهم وتشوّهت أجسادهم أن يعرفوا: من المسؤول عن الصفقة الكارثية التي أجبرت الحزب على شراء أجهزة اتصال من  اجهزة مخابرات العدو نفسه؟ كيف جرى توزيع هذه الأجهزة على القادة والمقاتلين لتنفجر بهم دفعة واحدة؟ 

فلبنان عرف العشرات من أمثال الشيخ نعيم: قادة طامحون، فاتحون، أو وكلاء لقوى خارجية، دخلوا أرضه متسلّحين بالسطوة وبالنفوذ، ثم خرجوا منها من دون أثر سوى نقوش على صخور نهر الكلب تذكّرنا بمرورهم العابر. فسر لبنان، الكيان الصغير المرهق، انه معبر سحري متحول، من يدخله  على شكل عملاق كبير يتركه وشكله قزم صغير. 

كثيرون من الإعلاميين والسياسيين والصحفيين يتصلون بي طلبا لتعليق على خطابات الشيخ نعيم قاسم. يسألونني: ما رأيك في موقفه الأخير؟ فأجيبهم بأنني كنت منشغلا بطبخ الطعام لأمي العجوز، ولم أستمع إلى خطابه. قد يظنون أن غيابي عن متابعة تصريحاته مجرد انشغال منزلي، لكن الحقيقة أعمق: المشكلة ليست في الوقت ولا في الانشغال، بل في أن ما يقوله نعيم قاسم لم يعد يضيف شيئا جديدا. الأهم مما يقوله هو ما يخشى أن يقوله، وما يسكت عنه عمدا.

الناس لا يريدون المزيد من الخطب والشعارات؛ ما يريدونه هو الحقيقة والاجابة عن  الأسئلة المسكوت عنها. يريد الجرحى الذين  بُترت أطرافهم وفئقت عيونهم وتشوّهت أجسادهم أن يعرفوا: من المسؤول عن الصفقة الكارثية التي أجبرت الحزب على شراء أجهزة اتصال من  اجهزة مخابرات العدو نفسه؟ كيف جرى توزيع هذه الأجهزة على القادة والمقاتلين لتنفجر بهم دفعة واحدة؟ 

الغريب أن الحزب يمارس صبرا لاهوتيا على إسرائيل، بينما يشهر سيف التهديد والوعيد بوجه الشعب اللبناني ودولته. يسكت أمام المعتدي، ويزمجر أمام مواطنيه. 

من فعل ذلك خيانة وخساسة؟، ومن سهل مرورها واعتمادها غباوة واهمالا ؟، ومن استفاد من صفقة كارثية سمسرة وتكسبا؟ وماهي الاجراءات والعقوبات التي نفذت بمن ارتكب كل هذه الموبقات!؟ومن حوسب على هذه الجريمة؟

يريد اللبنانيون أيضا أن يعرفوا: من سرّب أماكن وجود قادة الصف الأول مثل السادة  حسن نصرالله وهاشم صفي الدين وفؤاد شكر؟ ومن أدار اجتماعات فرقة الرضوان في ظروف غير آمنة؟ من زوّد إسرائيل بخرائط دقيقة لمواقع ومخابئ الحزب، وابعادها ووظائفها وعمق حجراتها وقوة تحصيناتها. وهي معلومات لا يمكن أن تعرف  من دون تواطؤ داخلي؟

إقرأ أيضا: نهاية دور بري.. علي الأمين: التحول اللبناني الجديد يربك إيران وحزب الله

اما السؤال الأكبر، فهو عن الصواريخ التي طالما تباهى بها الحزب. مائة ألف صاروخ كانت تُقدَّم كمعجزة استراتيجية، فإذا بنا نكتشف أن معظمها دُمّر في مخازنه، وأن ما أُطلق لم يتجاوز 2600 صاروخ، أصاب القليل منها أهدافا جدّية، بينما سقطت معظمها في أراضٍ مفتوحة أو قرى عربية. الناس يسألون: أين وعود التدمير الشامل للمدن والمرافئ والمصانع الإسرائيلية؟ ولماذا لم يُطلق أي صاروخ نوعي شبيه بتلك التي أطلقتها إيران على مركز “وايزمن” للأبحاث، وأحدثت أضرارا ملموسة؟

يريد اللبنانيون أيضا أن يعرفوا: من سرّب أماكن وجود قادة الصف الأول مثل السادة  حسن نصرالله وهاشم صفي الدين وفؤاد شكر؟ ومن أدار اجتماعات فرقة الرضوان في ظروف غير آمنة؟ من زوّد إسرائيل بخرائط دقيقة لمواقع ومخابئ الحزب، وابعادها ووظائفها وعمق حجراتها وقوة تحصيناتها. وهي معلومات لا يمكن أن تعرف  من دون تواطؤ داخلي؟

الأدهى أن آلاف المقاتلين أمروا بان يبقوا في قراهم ومدنهم، بعد تصفية القيادة العسكرية للحزب، دون تنسيق أو سيطرة. هكذا تحوّلوا إلى أهداف مكشوفة لطيران العدو ومسيراته. باستثناء مواجهات محدودة في الخيام وشمع وعيْتا الشعب، فإن معظم الخسائر كانت مجازر صامتة سقط فيها شباب الجنوب بلا حول ولا قوة بنيران الطائرات والمسيرات الاسرائيلية دون ان يكون لهم قدرة على الاشتباك معها او مواجهتها.

كيف استطاعت إسرائيل أن تضرب بدقة جراحية أهداف الحزب، بهامش خطأ لا يتجاوز 5%؟ هل كان ذلك بفضل تفوقها التكنولوجي فقط، أم لأن الحزب مثقوب من داخله بشبكات تجسس ومخبرين سمحوا للعدو بأن يقرأه كما يقرأ كف يده؟ وهل تقوى يا شيخ نعيم على الاعتراف بحجم الاختراق؟ وهل لديك القدرة  على تسمية المقصّرين والفاسدين والجبناء داخل الحزب، قبل أن تهدد لبنان بحرب أهلية جديدة؟

وهل لعاقل ان يقبل بعد الفشل والهزيمة وضع مصائر اولاده وعائلته بين ايديكم !!!.

ثم، ماذا عن اتفاق الإذعان الذي وقّعتموه مع إسرائيل برعاية الرئيس بري، والذي سمح لكل طرف بأن يردّ على أي تهديد أمني من الطرف الآخر؟ إسرائيل استعملت هذا البند أكثر من 600 مرة، فقتلت 260 مقاتلا من حزب الله. في المقابل، لم يُقتل جندي إسرائيلي واحد في النقاط الخمس المحتلة منذ ثمانية أشهر! أين جهوزيتكم الموعودة؟ وأين توازن الردع؟

إقرأ أيضا: بعد خطاب نعيم قاسم.. «الحزب» نحو العزلة السياسية!

الغريب أن الحزب يمارس صبرا لاهوتيا على إسرائيل، بينما يشهر سيف التهديد والوعيد بوجه الشعب اللبناني ودولته. يسكت أمام المعتدي، ويزمجر أمام مواطنيه. 

يصمت الإنسان عادة أمام حجّة قوية أو برهان ساطع، لكن الشيخ نعيم لا يملك لا هذه ولا تلك. وحين تُجبر على شرح البديهيات لمن ينكرها، يصبح الصمت نفسه نوعا من البلاغة. وربما كان الطبخ، في هذه الحال، أكثر جدوى من الإصغاء إلى خطب مستعادة لا تحمل  سوى إنكار حقائق الهزيمة، وممارسة استعلاء مقرون بالنفاق

السابق
مستقبل الشيعة بعد خطاب «الحزب» الإنتحاري واستعداء الشركاء في الوطن
التالي
إضرابات واحتجاجات في اسرائيل للمطالبة بإطلاق سراح الأسرى ووقف الحرب