إذا كان خطاب الشيخ نعيم قاسم الأخير قد وُصف بالتصعيدي في المشهد الوطني العام، فإنه على المستوى الشيعي البحت بدا أقرب إلى انتحار سياسي يدفع بالطائفة إلى مواجهة مفتوحة مع نفسها ومع شركائها في الوطن. فبدل أن يظهر الحزب بموقع المدافع عن الناس وحقوقهم، ظهر وكأنه يضع الطائفة رهينة في معركة خارجية لا علاقة لها بأولوياتهم المعيشية.
خطاب كربلاء
الغالبية الساحقة من الشيعة اليوم غارقة في الأزمات اليومية: فواتير كهرباء، بطالة، هجرة، وإحباط من انسداد الأفق.
جاء خطاب قاسم ليحدث قطيعة إضافية بين قيادة الحزب وجمهوره المتعب. فالاستنفار الكربلائي لم يعد يغطي على الخيبات، بل أصبح عبئاً يذكّر الناس بأن الحزب يجرّهم إلى معركة لا يريدونها، لا مع الدولة ولا مع الداخل اللبناني.
وبدل أن يطرح الشيخ نعيم رؤية سياسية عقلانية تحفظ موقع الشيعة في الدولة، أطلق خطاباً تهويلياً يضعهم في مواجهة الجيش والحكومة وسائر الشركاء. وهنا الخطورة: إذ إن الطائفة تتحول، عبر خطاب قيادتها، إلى شريك متّهم في تهديد السلم الأهلي.
عزلة شيعية ـ لبنانية
الردود السياسية على خطاب قاسم كانت قاسية وسريعة، لكنها في الجوهر لم تستهدف الحزب فقط، بل وضعت البيئة الشيعية تحت مجهر العزلة. فحين يتهم نائب الأمين العام لحزب الله الحكومة بأنها “تنفذ مشروعاً إسرائيلياً أميركياً”، ثم يلوّح بفتنة داخلية، فإن الرسالة التي تصل إلى بقية اللبنانيين هي أن الطائفة بكاملها تضع نفسها في مواجهة مشروع الدولة.
هذا المنطق لا يضيّق خيارات الحزب فحسب، بل يضيّق أيضاً خيارات الشيعة الذين يجدون أنفسهم محشورين في معادلة: إما الانصياع لخطاب “المعركة الكربلائية”، أو مواجهة خطر أن يُنظر إليهم كطائفة متمرّدة على الدولة.
منذ تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920، والشيعة يجهدون بتقديم أنفسهم كطائفة تسعى إلى المشاركة الحقيقية في في بناء الدولة. لكن خطاب الشيخ قاسم الأخير أطاح بهذا الرصيد، ليظهرهم وكأنهم يسعون إلى فرض سلاح خارج الشرعية بالقوة والتهويل. النتيجة المباشرة هي تعميق الهوة مع بقية اللبنانيين، وتعزيز صورة “الطائفة المعزولة”، وهو ما يتناقض مع مصالح الشيعة الذين يحتاجون اليوم إلى دولة قوية تضمن حقوقهم أكثر من أي وقت مضى.
منذ تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920، والشيعة يجهدون بتقديم أنفسهم كطائفة تسعى إلى المشاركة الحقيقية في في بناء الدولة. لكن خطاب الشيخ قاسم الأخير أطاح بهذا الرصيد،
حوار.. بديل عن خطاب الانتحار
بدل خطاب الانتحار الذي اطلقه امين عام حزب الله بحق الطائفة والوطن، المطلوب هو حوار عاجل مع باقي الشركاء في الوطن عوض العمل على استعدائهم وتهديدهم، فهذا الخطاب الذي اثار ذعر كل اللبنانيين لم يكن مجرد سقطة خطابية، بل كان إعلاناً عن مأزق داخلي يعيشه الحزب حمّله للطائفة الشيعية ولجمع اللبنانيين. فإذا كان الهدف منه شدّ العصب، فإن النتيجة كانت عكسية: مزيد من القلق، وفقدان الثقة بجدوى الاستمرار في السير خلف خطاب لا يحمي الناس ومستقبلهم.
إنه خطاب لا يحصّن الطائفة، بل يزجّ بها في مغامرة انتحارية، ويعزلها عن باقي مكونات الشعب اللبناني، وسيكون الخاسر الأول فيها الشيعة أنفسهم، قبل أي طرف آخر.
اقرأ أيضا: «كربلاء» تضحية من اجل لإنسان..كربلاؤهم تضحية بالإنسان!

