بعد أسابيع من تصريحات حادة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول استعداد الجيش للتصدي لمحاولات إيران إعادة بناء قدراتها الصاروخية والنووية، برزت مؤشرات جديدة على أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ترفع جاهزيتها لمواجهة محتملة مع طهران. فقد أعلن العقيد شلومي بن يائير، قائد قوات الإنقاذ في جبهة الدفاع المدني، أن وحداته «تستعد لجولة جديدة من الحرب مع إيران»، في إشارة واضحة إلى أن التصعيد قد يكون أقرب مما يتوقعه البعض.
هذه القوات، التي تضم نحو 250 عنصراً فقط، تعدّ من أكثر الوحدات حساسية في الجيش الإسرائيلي، إذ تختص بإنقاذ العالقين تحت الأنقاض في مناطق القتال، وغالباً ما تواجه مشاهد مروّعة من ضحايا وجثث وأشلاء. وقد خاض أفرادها في العامين الماضيين عمليات شاقة من تل أبيب إلى جنوب لبنان، وصولاً إلى رفح في غزة، ما دفعهم للمطالبة بإجازات أطول ومكافآت مالية أكبر نظراً لضغط المهام وخطورتها.
إقرأ أيضا: موعد غرامي في ألاسكا A Date in Alaska
تحذيرات من هجوم إيراني مباغت
يأتي هذا التحرك بعد تصريحات لنتنياهو الأسبوع الماضي لم يستبعد فيها احتمال شن إيران «هجوماً مفاجئاً» كنوع من الانتقام، مشدداً على أن إسرائيل «في حالة يقظة تامة ومستعدة لكل السيناريوهات». وأوضح أن الإيرانيين بدورهم يستعدون لخيارات متعددة، مفضلاً عدم الكشف عن التفاصيل. هذه التصريحات تأتي على خلفية وقف إطلاق نار هش أنهى في يونيو الماضي حرباً استمرت 12 يوماً، بدأت بضربات جوية إسرائيلية تبعتها هجمات أميركية استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية تحت الأرض بقنابل خارقة للتحصينات، وأسفرت عن مقتل قيادات بارزة في «الحرس الثوري» وعلماء نوويين.
تخوف من دعم صيني لإيران وتغيير في العقيدة القتالية الإسرائيلية
صحيفة «يديعوت أحرونوت» كشفت عن قلق متزايد لدى القادة الإسرائيليين من تقارير حول دعم عسكري صيني لإيران، بما في ذلك معلومات عن إعادة بناء طهران لمخزونها من الصواريخ الباليستية. ورغم نفي بكين تزويد إيران بالصواريخ، أوصلت تل أبيب رسائل احتجاج رسمية. وبالتوازي، عدّل الجيش الإسرائيلي عقيدته القتالية ليركّز على «الضربات الاستباقية»، في إشارة إلى أنه لن ينتظر هجوماً إيرانياً بل سيبادر بالضربة الأولى إذا اقتضت الضرورة.
مناورات ورسائل ردع مزدوجة
في إطار رفع الجاهزية، نفذ الجيش الإسرائيلي الاثنين الماضي مناورة مفاجئة بإشراف مباشر من رئيس الأركان أيال زامير، شملت محورين أساسيين: الأول إرسال رسالة ردع إلى إيران و«حزب الله» بأن إسرائيل تبقى في حالة تأهب دائم، والثاني اختبار قدرات الجيش والأجهزة الاستخباراتية «الموساد» و«الشاباك» ورفعها إلى أعلى مستويات الاستعداد.
سيناريوهات الحرب المحتملة
بحسب «معاريف»، تخشى إسرائيل من أن تقدم إيران على «خطوة حربية خاطفة» في المدى القريب، ربما حتى قبل عملية احتلال غزة، في محاولة لتغيير السردية حول نهاية الحرب الأخيرة. وترصد تل أبيب ثلاث اتجاهات مقلقة في الساحة الإيرانية: إعادة بناء البرنامج النووي والصاروخي، تكثيف عمليات مكافحة الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي داخل إيران، وتصعيد الهجمات الإلكترونية ضد أهداف إسرائيلية بشكل يومي.
جبهات محتملة ودور حلفاء إيران
المخاوف الإسرائيلية تمتد إلى احتمال فتح جبهات إضافية من سوريا أو الأردن، فضلاً عن نشاط الحوثيين في اليمن الذين يواصلون التهديد بضرب إسرائيل. زيارة رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى بيروت وتصريحات قيادات «حزب الله»، إلى جانب التهديدات الحوثية الأخيرة، كلها مؤشرات تراها تل أبيب دليلاً على أن إيران «تحضّر لشيء كبير»، وربما تكون هي «العقل المدبر» خلف التحركات الميدانية لحلفائها.
الاستعداد الإيراني والتحضيرات الميدانية
في طهران، أفادت مصادر مطلعة بأن «الحرس الثوري» أعلن حالة الاستنفار الكامل في جميع الوحدات، خصوصاً خلال فترة ما بعد مراسم «أربعينية الحسين». وتشمل الاستعدادات التركيز على حماية منشآت البنية التحتية ومحطات الطاقة، والتأهب لقمع أي اضطرابات داخلية قد تنشب. كما لم تستبعد المصادر احتمال شن إسرائيل هجوماً جديداً في أواخر سبتمبر لتعطيل العام الدراسي في إيران.
إقرأ أيضا: لماذا لم يعد بإستطاعتي الكتابة عن غزة؟
تصعيد في الخطاب الإسرائيلي
الوزير يسرائيل كاتس جدّد تهديده باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، رداً على نشر «فيلق القدس» قائمة بأسماء مسؤولين إسرائيليين مستهدفين بالاغتيال. أما نتنياهو، فقد أكد أن العملية العسكرية الإسرائيلية – الأميركية الأخيرة «أخّرت البرنامج النووي الإيراني لسنوات»، لكنه شدد على أن إيران ما زال لديها نحو 400 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب، وأن إسرائيل لن تتردد في تدمير هذا المخزون إذا لزم الأمر، بالتنسيق مع واشنطن. ووصف نتنياهو البرنامج النووي والصاروخي الإيرانيين بأنهما «ورمان سرطانيان» يهددان وجود إسرائيل، مؤكداً أن «الاجتثاث الكامل» هو الهدف النهائي.
تشير التطورات المتلاحقة إلى أن إسرائيل وإيران تتحركان على مسار تصادمي خطير، حيث تكثف الأولى استعداداتها العسكرية والاستخباراتية وتوسّع نطاق الردع، فيما ترفع الثانية مستوى التأهب الداخلي وتزيد من نشاط حلفائها الإقليميين. ومع تعدد الجبهات المحتملة وخطورة التصعيد، يبدو أن الأسابيع المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كان التوتر سينفجر في مواجهة مباشرة أو سيبقى في إطار الحرب الباردة والمناوشات غير المباشرة.

