في ظل مؤشرات الرأي العام التي تكشف عن تزايد الرفض الشعبي لاحتلال مدينة غزة، تدخل إسرائيل مرحلة جديدة من الاحتجاجات السياسية والاجتماعية، مع استعداد أكثر من مليون إسرائيلي لتنفيذ إضراب شامل يوم الأحد المقبل، ليوم واحد، في خطوة وُصفت بأنها الأكبر منذ اندلاع الحرب. هذا التحرك، الذي تنظمه عائلات الأسرى لدى «حماس» إلى جانب حركات احتجاجية ونقابات مهنية، يهدف إلى الضغط على الحكومة لإلغاء قرار الاحتلال والتركيز على المفاوضات للتوصل إلى صفقة تبادل أسرى.
طابع الإضراب ومجالاته
الإضراب، الذي رفض اتحاد النقابات «الهستدروت» تبنيه رسمياً، يلقى دعماً واسعاً من نقابات مهنية مستقلة وعشرات البلديات، بينها تل أبيب ويافا، إضافة إلى مئات الآلاف من أصحاب المصالح التجارية الذين أعلنوا إغلاق أبوابهم. ومن المقرر أن ترافق الإضراب مظاهرات حاشدة في الشوارع والساحات الرئيسية، أبرزها في تل أبيب، حيث يطالب المحتجون بإعادة الأسرى ووقف الحرب. المنتدى المنظم أكد أن الإضراب سيكون بمثابة «عطلة اختيارية مدفوعة الأجر» للعمال المشاركين، في محاولة لحشد أكبر مشاركة ممكنة.
استطلاعات رأي تكشف الانقسام الشعبي
نتائج استطلاعات الرأي التي أُعلنت في تل أبيب يوم الجمعة أظهرت تحوّلاً ملحوظاً في المزاج العام. ففي استطلاع معهد سياسة الشعب اليهودي (JPPI)، قال 54٪ من المستطلعين إنهم يفضلون صفقة مع «حماس» حتى لو بقيت الأخيرة في الحكم، مقابل 37٪ يؤيدون مواصلة الحرب لتحقيق أهداف الحكومة المعلنة.
أما استطلاع صحيفة «معاريف» فأظهر أن 69٪ من الإسرائيليين يتخوفون من تآكل التماسك الاجتماعي بسبب الحرب، و66٪ يخشون تداعيات اقتصادية شخصية، فيما عبّر 63٪ عن قلقهم من تهديدات أمنية داخلية وخارجية. كما أظهرت الأرقام تراجع الرضا عن أداء القيادة السياسية: 59٪ غير راضين عن نتنياهو، و57٪ غير راضين عن وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بينما يحظى رئيس الأركان إيال زامير بنسبة رضا بلغت 50٪.
خطاب المعارضة وتصعيد اللهجة
يائير جولان، زعيم حزب الديمقراطيين اليساري، اتهم الحكومة بممارسة الحكم بطريقة «ديكتاتورية» وتجاهل رأي الأغلبية، محذراً من أن استمرار الحرب يخدم مصالح نتنياهو السياسية وليس الأمن القومي. ووصف جولان الحرب بأنها «لا نهائية» و«الكذبة الأخطر» في عهد نتنياهو، معتبراً أن «حماس هُزمت عسكرياً عام 2024» لكن الحرب استمرت لأسباب سياسية بحتة.
تحديات أمام الجيش والقيادة السياسية
على الصعيد العسكري، أشار محلل «يديعوت أحرونوت» ناحوم بارنياع إلى أن رئيس الأركان إيال زامير وضع شرطاً واضحاً بعدم القيام بعمليات تعرض حياة الأسرى للخطر، ما يفرض على الجيش التحرك «على أطراف الأصابع» في غزة. وجود أسرى في مناطق متفرقة، من غزة الموسّعة إلى مخيمات الوسط ودير البلح، يزيد من تعقيد أي خطة عسكرية.
البعد الدولي واحتمال التدخل الأميركي
رغم الحديث عن إمكانية تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف التصعيد، يواصل الجيش الإسرائيلي إعداد خطط لاحتلال غزة، بدءاً من عمليات في حي الزيتون كجزء من نموذج تدريبي للسيطرة على مناطق أوسع. هذه التحركات توحي بأن المؤسسة العسكرية تعمل على مسار موازٍ، رغم الضغوط السياسية الداخلية والخارجية.
تقف إسرائيل اليوم أمام معادلة معقدة: ضغط شعبي متنامٍ يطالب بوقف الحرب وإتمام صفقة تبادل الأسرى، في مقابل إصرار حكومي على المضي قدماً في خطط الاحتلال، رغم اعتراض الجيش والأجهزة الأمنية. استمرار هذا الصراع بين الشارع والحكومة قد يقود إلى أزمة سياسية عميقة، وربما يعيد تشكيل الخريطة الحزبية والتحالفات داخل إسرائيل في الأشهر المقبلة.

