بعد الانسحاب الإسرائيلي من صيدا عام 1985، ثم من النبطية وقراها حتى كفرتبنيت والتلال المحيطة بها، وكذلك من صور وقضائها على مراحل، تبدّلت أشكال العمل المقاوم وتغيّرت موازين القوى على الأرض.
سيطرت حركة “أمل” على جميع المناطق المحررة، وفرضت سلطتها وقيمها، الأمر الذي جعل عمل المقاومين المنتسبين إلى الحزب الشيوعي اللبناني محفوفًا بخطرين:
1 – الانفكاك من قبضة “أمل” التي بسطت سيطرتها حتى الشريط الحدودي المحتل.
2 – مواجهة جيش لبنان الجنوبي المكوَّن من عملاء لبنانيين يخدمون تحت إمرة الاحتلال، وينتشرون على معظم التلال المشرفة على ذاك الشريط.
الانطلاق من صيدا إلى صور
انطلقت مجموعتنا المنضوية ضمن “جبهة المقاومة الوطنية” من صيدا باتجاه صور، عبر موقف سيارات الأجرة عند “البوابة الفوق” قبل سينما غرانادا. كان الركاب ينتظرون اكتمال العدد، ومع وصول الراكب الخامس ـ شاب أشقر من الجبهة الشعبية ـ بدأت الرحلة.
مهمة هذا الشاب كانت الانفصال عن المجموعة عند بلدة عين إبل لاستطلاع إمكانية الدخول إلى فلسطين مع مجموعة فلسطينية أخرى، على أن يعود لاحقًا ويلتقي رفاق الطريق في طريق العودة. وبسبب لهجته الفلسطينية التي قد تثير الشبهات على الحواجز، تم تكليفه بانتحال اسم “علي سرور” من عيتا الشعب، والتوجّه إلى منزل الشيخ حسين في البرج الشمالي.
عبور الحواجز
مرّ الركاب بحاجز “أمل” عند معمل صفا في مدخل الغازية الشمالي، وكان اهتمام عناصر الحاجز يتركّز على مصادرة المشروبات الكحولية أكثر من ملاحقة المطلوبين من الشيوعيين والفلسطينيين، في ظل اشتعال حرب المخيمات.
أما حاجز أبو الأسود فكان أكثر تشددًا، حيث طُلبت الهويات. أجاب “علي سرور” بما حفظه من تفاصيل، مطيلاً في نطق حرف الواو لتأكيد شخصيته المزعومة، قبل أن يصرف النظر عنه أحد العناصر بسبب انشغاله بفلسطيني آخر كان يصرّح بهويته علنًا ويحمل قطعة دراجة نارية لتصليحها.
جولات على الشاطئ ولقاءات غير متوقعة
استمرت الرحلة حتى وصل الركاب إلى صور. هناك، قضى بعض أفراد المجموعة وقتهم في محل “محفوظ” الشهير بسندويشات الفتايل، بينما تجوّل “علي سرور” ورفيقه الصيداوي على الشاطئ جيئةً وذهابًا، قبل أن يلتقيا مجددًا في محل حلويات في البص، حيث جلسا على طاولة واحدة دون أن يعرف أيّ منهما حقيقة الآخر.
وفي مفارقة، تبيّن لاحقًا أن ثلاثة شبان كانوا يقفون عند باب المحل هم أيضًا من رفاقهم.
الطريق نحو الوادي والسلاح
انطلقت المجموعة في سيارتين نحو وادي جيلو، ثم إلى طريق فرعي بين جبلين حيث كان مخبأ السلاح. وجهتهم الأولى بعد تسلّحهم كانت حرج تبنين، لقطع الطريق بمحاذاة موقع لليونيفيل وصولًا إلى وادي السلوقي، ومن هناك نحو هدفهم: “كازينو عين إبل” الذي تتخذه قوات الاحتلال موقعًا محصنًا.
وكان سائق السيارة الأولى، الرفيق “كركر”، قد اعتُقل سابقًا على يد حركة “أمل” بعد عملية ضد الاحتلال، وتعرض لتعذيب قاسٍ في زفتا، منها تعليقه من قدمه المصابة برصاصة، ورأسه إلى الأسفل ليومين، مما تركه عاجزًا عن الركض.
كمين مسلّح
عند وصول السيارتين إلى الوادي، ترجلت المجموعة حاملة مؤونة يومين، لكنهم فوجئوا بمسلحين مدججين بالرشاشات وقاذف “آر بي جي” يتقدمون من الجهة المقابلة. انطلقت المجموعة راكضة نحو الوادي تحت وابل الرصاص، وكركر يصرخ من الألم ويستسلم. ورغم نداءاته لـ”حازم” بالعودة، واصل الأخير ورفاقه الركض حتى وصلوا للسلاح وجلسوا في عمق الوادي. هناك، تبيّن أن عناصر من “أمل” كانوا يراقبونهم منذ خروجهم من مطعم محفوظ وحتى دخولهم إلى الوادي.
الاعتقالات والبيان
بعد يومين، عرفنا أن رفيقينا الصوريين اعتُقلا من منزليهما ونُقلا إلى سجن مختلف عن الذي احتُجز فيه كركر أو غيره من رفاقنا. وأعلن الحزب الشيوعي في بيان أن “القوى الظلامية” تتحمل مسؤولية الحفاظ على حيواتهم.
إقرأ أيضا: قرار السلاح بين الدولة وحزب الله..والجيش اللبناني ينفي رواية الإنفجار المقصود في وادي زبقين

