في رسالة وصلت إلى موقعنا من داخل أحد السجون اللبنانية، خاطبنا سجين لبناني طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية تحمي سلامته الشخصية. أوضح في رسالته أن التركيز الإعلامي في الأشهر الماضية كان منصبًا على السجناء السوريين، مما أدى إلى تجاهل معاناة السجناء اللبنانيين. وحث من خلال رسالته وسائل الإعلام المحلية على إعطاء صوت لهم، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على سرية هويته ومصدر الاتصال حفاظًا على سلامته.
وأصدر عدد من السجناء اللبنانيين بيانًا انتشر عبر الواتساب عبروا فيه عن استيائهم من تجاهل معاناتهم مقارنة بالسجناء السوريين الذين تحظى قضيتهم باهتمام حكومي وإعلامي أكبر. وأكد البيان حق جميع السجناء اللبنانيين والفلسطينيين في المطالبة بحل شامل لقضية السجون اللبنانية، بما في ذلك العفو العام وتقليص فترة السجن، محذرين من انفجار محتمل داخل السجون في حال استمرت الحلول الجزئية.
ودعا البيان المرجعيات الروحية والإعلام المحلي لتحمل مسؤولياتهم في تسليط الضوء على هذه الأزمة الإنسانية التي تهدد الأمن الاجتماعي في لبنان. كما شدد السجناء على ضرورة الحفاظ على التوازن في معالجة الملف وعدم الاستفراد بحل لمجموعة دون أخرى، مؤكدين أن المعاناة مشتركة وأن أي إهمال سيؤدي إلى تصعيد خطير داخل السجون.
يأتي هذا الحديث في وقت تقدمت فيه عدة كتل وشخصيات نيابية بمشاريع قوانين مختلفة تتعلق بالعفو العام أو الجزئي وفق محددات. كما يشار إلى أن المجلس النيابي اللبناني كان قد رفض مقترح تخفيض السنة السجنية من 9 أشهر إلى 6 أشهر.
أصدر عدد من السجناء اللبنانيين بيانًا انتشر عبر الواتساب عبروا فيه عن استيائهم من تجاهل معاناتهم مقارنة بالسجناء السوريين الذين تحظى قضيتهم باهتمام حكومي وإعلامي أكبر
عدالة انتقالية أم عدالة انتقائية!
يشير المحامي محمد صبلوح لجنوبية، إلى أنه “آن الأوان إلى عدالة انتقالية وطالبنا منذ سنوات بعفو عام لأن الكثير من الملفات فبركت نتيجة التعذيب ونتيجة ارتهان النظام الامني اللبناني لحزب الله وللنظام السوري السابق، وقمنا بتثبيت هذا الامر على مدى سنوات وبالأدلة، ومنها انتحاري الكوستا على سبيل المثال”. ويرى أن “من قاتل إلى جانب بشار الأسد كان يذهب بسلاحه على مرأى من الناس بينما من عارضوا النظام زجوا في السجون”.
ويشير صبلوح، الذي يشغل مدير البرنامج القانوني لمركز سيدار، أن على العهد الجديد رفع الظلم، وبأقل الأحوال فهناك مشاكل اكتظاظ في السجون على صعيد لبنان (250% نسبة الاكتظاظ)، وعدم إمكانية تأمين أقل المستلزمات الحيوية للسجناء كالغذاء والدواء والطبابة وغيرها، أدى ذلك إلى حالات انتحار عدة بين السجناء.
برأي صبلوح: “لو كان أحد أبناء المسؤولين في السجون هل كان سيوافق على الظروف التي تحيط به؟!”، ويعتبر أن هناك ظروف “إنسانية” لا بد للعهد الجديد أن ياخذها في الحسبان، وهذه “الإنسانية” ليست طائفية ولا تقتصر على المساجين السوريين، بل يجب أن تطال الجميع ضمن ما يسمى بالعدالة الانتقالية وليس العدالة الانتقائية أو الانتقامية، بحسب قوله. ويتابع بالقول: “ليس مقبولًا أن يخرج السوري المتهم في قضية عبرا فيما يظل اللبناني المتهم بنفس القضية داخل السجون! هذا تمييز وضرب للعدالة والمساواة”. ويعتبر أن التوافق الطائفي العابر للملفات مسألة يجب أن تتم من “زاوية إنسانية وطنية تعطي أملًا جديدًا” ويجب عدم فصل الملفات عن بعضها البعض فلا يجب معالجة قضية الموقوفين الإسلاميين وحرمان ملف الهاربين إلى إسرائيل أو الطفار في بعلبك الهرمل وغيرهم.
أمام هذا الواقع، هناك مشاريع قوانين قدمت ولكنها أحيلت إلى لجنة الإدارة والعدل، ويصف صبلوح المسألة بالقول: “لجنة الإدارة والعدل مقبرة الملفات والمخاصمات السياسية والمحاصصة لأن كل طائفة تبحث عن استفادتها من الملف”. أما اليوم، فيعتبر صبلوح أن هناك فبركات إضافية تهدف إلى إيهام المجتمع الدولي أن داعش عائدة ولذلك يتم رفع أعداد المساجين وتضخيم الأرقام، فداعش غب الطلب كما يشير، ويتسائل عن الأسباب السياسية خلف هذا التضخيم الذي يؤدي إلى “خربان بيوت الناس”.
(المحامي محمد صبلوخ)

تحديات أمنية وقضائية واقتصادية!
تواجه العلاقات بين لبنان وسوريا توترات متزايدة وسط مطالب دمشق بإعادة آلاف السجناء السوريين المحتجزين في لبنان، مع تحذيرات من عواقب محتملة مثل إغلاق الحدود وتعليق العمل الأمني المشترك. ولبنان يعاني من ضغط قضائي شديد يعوق سرعة الإفراج عن المحتجزين، لكنه يستثني من هذا الإفراج من ارتكبوا جرائم ضد المواطنين اللبنانيين. وفي المقابل، تزايدت المخاوف في بيروت من أن دمشق قد تطالب لاحقًا بالإفراج عن سجناء لبنانيين مرتبطين بجماعات إسلامية متطرفة، ما قد يشكل تحديًا أمنيًا داخليًا خطيرًا، بحسب تقارير ذا ناشيونال.
كما تتفاقم المخاوف اللبنانية جراء وجود مئات آلاف اللاجئين السوريين على أراضيها، وكذلك قضايا أمن الحدود والتهريب، إلى جانب التهديدات الإرهابية المحتملة بعد تفجيرات الكنيسة في سوريا واعتقالات خلايا إرهابية في لبنان. فالبلد يعاني من هشاشة اقتصادية واجتماعية، ويجد نفسه في موقف حساس بين الضغوط السورية، مطالبًا بحل شامل لقضايا اللاجئين والسجناء على حد سواء، وسط تحذيرات من تداعيات سياسية وأمنية كبيرة في حال عدم التوصل إلى اتفاق عادل.
على المقلب الآخر، هناك تعقيد في هذ الملف، سيما وأن لكل طائفة مطالبها، فنجد أن المسيحيين يطمحون إلى حل ملف الهاربين إلى إسرائيل والذين كانوا في جيش لحد، في مقابل مطالبة الشيعة بحل المذكرات المتعلقة بالمخدرات وغيرها سيما في بعلبك الهرمل والتي تصل إلى الآلاف بحسب معلومات متداولة. مما يعني أن هذا الملف يجب أن يخضع لتوافق طائفي وسياسي عابر.
صبلوخ: هناك ظروف “إنسانية” لا بد للعهد الجديد أن ياخذها في الحسبان، وهذه “الإنسانية” ليست طائفية ولا تقتصر على المساجين السوريين، بل يجب أن تطال الجميع
مبادرة وزير العدل عادل نصار
وكان وزير العدل اللبناني عادل نصار طرح مبادرة لإبرام معاهدة مع سوريا تقضي بنقل غالبية السجناء السوريين في لبنان لقضاء ما تبقى من عقوباتهم في بلدهم، بهدف التخفيف من الاكتظاظ الشديد في السجون اللبنانية. وأكد نصار لصحيفة ذا ناشيونال بتاريخ 18 تموز من هذا العام، أن هذه الخطوة لن تشمل المدانين بالإرهاب أو بقتل مواطنين أو جنود لبنانيين أو بارتكاب جرائم كبرى، بل ستقتصر على المحكومين بجرائم مثل السرقة والاحتيال. المبادرة تأتي ضمن خطة أوسع يقودها نصار لإصلاح النظام القضائي، تشمل تعزيز استقلالية القضاء، رقمنة المحاكم، وتعيين قضاة جدد، إلى جانب إعادة فتح محكمة سجن رومية لتسريع المحاكمات.
ورغم عدم التواصل المباشر بين نصار ونظيره السوري، فإن المحادثات جارية عبر القنوات الرسمية، ومن المتوقع وصول وفد سوري رفيع إلى بيروت قريبًا لمناقشة الملف. السلطات اللبنانية تأمل أن تتجاوب دمشق مع المبادرة، بحسبت تقرير.
وفي مايو/أيار، صرّح أسعد الشيباني وزير الخارجية السوري في منشور على موقع إكس بأنه التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام لمناقشة سبل تحسين أوضاع السجناء السوريين في سجن رومية، أكبر سجون لبنان. ولم يحدد مكان أو موعد اللقاء. وأكد الشيباني ان الحكومة السورية تلتزم بحل هذه المسألة في أسرع وقت ممكن.
منظمات حقوقية تتهم لبنان بالتعذيب!
تشير تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى وجود نحو ألفي سجين سوري في لبنان، بينهم 190 معتقلًا منذ انتفاضة 2011، معظمهم منشقون أو لاجئون فارّون من الحرب الأهلية. ويواجه الكثير منهم تهمًا تتعلق بالإرهاب، بما في ذلك الانتماء إلى جماعات إسلامية معارضة للنظام السوري أو المشاركة في هجمات ضد الجيش اللبناني، خاصة خلال معارك عرسال عام 2014. وبحسب مصادر أمنية، يشكّل السوريون نحو 30% من إجمالي السجناء، فيما يُحاكم بعضهم أمام القضاء العسكري بينما يقبع آخرون في السجون لسنوات دون محاكمة.
وتتهم منظمات حقوقية السلطات اللبنانية بحرمان المعتقلين السوريين من المحاكمة العادلة وانتزاع الاعترافات تحت التعذيب، وسط ظروف احتجاز “لا إنسانية” تتسم بالاكتظاظ ونقص الغذاء والدواء وانتشار الأمراض. كما وثّقت تقارير حقوقية أساليب تعذيب وحشية ووفاة عشرات السجناء نتيجة الإهمال الطبي أو التعذيب، بينهم 40 في سجن رومية وفق بيان لفرقة الطوارئ السورية. وشهد عام 2017 وفاة أربعة سوريين في احتجاز الجيش اللبناني وسط اتهامات بالتعذيب، وفي فبراير الماضي أضرب أكثر من 100 سجين سوري عن الطعام احتجاجًا على احتجازهم غير المحدد المدة ومطالبة بإعادتهم إلى سوريا، بحسب ما جاء في تقرير لموقع المونيتور.
ختامًا، من الضروري التأكيد على أن معاناة السجناء اللبنانيين لا تقل أهمية عن معاناة السجناء السوريين، ويجب أن تُعامل قضيتهم على قدم المساواة. فكما يطالب السجناء السوريون بحقوقهم الإنسانية والقانونية، يواجه السجناء اللبنانيون تحديات مماثلة من حيث الاكتظاظ وظروف الاحتجاز القاسية وتأخر المحاكمات. إن تجاهل معاناة أي فئة من السجناء يهدد الأمن الاجتماعي ويزيد من احتمالات التصعيد، لذا يتطلب الوضع تضافر الجهود الحكومية والمجتمعية لوضع حلول شاملة وعادلة تحفظ كرامة جميع المحتجزين وتراعي حقوق الإنسان دون تمييز.
اقرا ايضا: سلاح الحزب في لبنان: من المقاومة إلى أداة نفوذ إيراني

