في السابع من أكتوبر 2023، دوّى انفجار سياسي-عسكري في المنطقة بعد العملية المفاجئة التي أطلقتها حركة “حماس” ضد إسرائيل تحت اسم “طوفان الأقصى”. لكن ما بدأ في غزة لم يبقَ فيها، بل سرعان ما ارتدت أصداؤه على الجبهة اللبنانية، حيث دخل “حزب الله” تدريجيًا في المواجهة، متبنّيًا سياسة الدعم العسكري المحسوب، التي حملت الجنوب اللبناني مجددًا إلى قلب العاصفة، تحت ما يسمى بـ”حرب الإسناد”.
في هذه المعادلة الجديدة، لم يكن الثمن موزعًا بالتساوي على كل فئات الشعب اللبناني. بل وُضع الشيعة اللبنانيون، خاصة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، في خط المواجهة المباشرة، جغرافيًا ومعيشيًا، بل ووجوديًا، وسط أسئلة متصاعدة عن كلفة الولاء، وحدود الانتماء، ومعنى “المقاومة” في ظل ظروف تغيّرت جذريًا.
جنوب لبنان من جديد أرض النزوح والدمار
جنوب لبنان، الذي لم يتعافَ بالكامل من آثار حرب تموز 2006، عاد ليكون ساحة مواجهة مفتوحة. عشرات البلدات الشيعية الحدودية، مثل عيترون وبنت جبيل ويارون والطيري، عاشت منذ أكتوبر تحت القصف الإسرائيلي، وسط ردود من “حزب الله” أفضت إلى معادلة استنزاف يومي.
النتائج المباشرة للحرب
وكانت أوائل النتائج المباشرة لتلك الحرب نزوح أكثر من 100 ألف مواطن من القرى الجنوبية إلى مدن أكثر أمانًا مثل بيروت وصيدا.
إضافة إلى انهيار القطاعات الحيوية في تلك المناطق: المدارس مغلقة، الزراعة متوقفة، والاقتصاد المحلي ميت.
فضلا عن الدمار الواسع الذي طال البنى التحتية والمنازل، وسط غياب أي قدرة للدولة على الإغاثة أو التعويض.
إقرأ أيضا: البيئة الشيعية تتململ بصمت: لن ننزح من جديد… سنموت في مكاننا
والواقع الأكثر قسوة أن الدولة اللبنانية، غائبة بفعل العجز المالي، وهي لم تقدّم أي دعم يذكر، وتركت الناس يواجهون الموت والنزوح بلا حماية ولا بدائل.
البنية الاقتصادية الشيعية من الاستقلال الذاتي إلى العجز التام
شكّل “حزب الله” لأعوام منظومة خدمات شبه مكتملة داخل البيئة الشيعية: من المستشفيات إلى المدارس والجمعيات والمساعدات. هذه الشبكة كانت صمام أمان اقتصادي للفئات المهمشة، خصوصًا في البقاع والجنوب.
لكن مع تصاعد العقوبات الغربية، وضيق التمويل الإيراني، والانهيار الاقتصادي اللبناني، بدأت هذه المنظومة تتآكل.
وأدى ذلك إلى تراجع واضح في حجم المساعدات الغذائية والطبية، وتوقّف عدد من المشاريع الخيرية والتنموية، مع ارتفاع غير مسبوق في البطالة، خصوصًا بين الشباب الشيعي.
والمفارقة اليوم أن البيئة التي لطالما اعتُبرت “الظهر الشعبي للمقاومة”، باتت نفسها تحت الضغط المعيشي الأقصى، دون أن يظهر أفق لحل اقتصادي أو اجتماعي قريب.
تعب الهوية الشيعية المقاومة بين القداسة والإرهاق
منذ تأسيس “حزب الله”، تماهت الهوية الشيعية مع مشروع المقاومة، بوصفه ليس فقط أداة دفاع، بل مشروعًا وجوديًا في مواجهة التهميش والاحتلال.
لكن الحرب المستمرة منذ عقود، من الجنوب إلى سوريا، ومن المواجهات الأمنية إلى العقوبات، بدأت تولّد ما يمكن تسميته بـ”إرهاق جماعي” وسط تصاعد التساؤلات في البيئة الشيعية خصوصا.
لماذا تُربط هوية الطائفة بمشروع إقليمي يفوق قدرة لبنان؟
هل يدفع أبناء الطائفة دائمًا ثمن المواجهات، دون أن يكون لهم رأي فيها؟
إلى متى يمكن للصبر الجماعي أن يصمد في وجه الدمار والنزوح والفقر؟
هذه الأسئلة وإن كانت لا تُطرح في الإعلام على نطاق واسع، ولكنها مادة دائمة في النقاشات الخاصة، في الجامعات، في مجالس العزاء، وفي البيوت والمقاهي والسهرات العائلية.
التفكك الاجتماعي أخطر من الحرب
رغم صلابة البنية الاجتماعية والسياسية للشيعة في لبنان، بدأت تظهر مؤشرات اهتزاز، ليس بسبب ضعف في التنظيم، بل لأن الحرب الحالية تحدث في ظل ظرف داخلي شديد الانهيار.
ولم يعد الناس في الجنوب والضاحية والبقاع وكل المجتمع الشيعي يملكون أي طاقة على الحرب، ولم تعد الخطابات الحماسية والتعبوية تعنيهم كما كان الحال في 2006.
والحديث اليوم، عن “نصر إلهي” يُقابل أحيانًا بتنهيدة طويلة، أو صمت ثقيل، لأن الألم اليومي أصبح أكبر من أي خطاب.
الانقسام لم يعد سياسيًا فقط، بل بدأ يأخذ طابعًا اجتماعيًا واقتصاديًا: بين من يستطيع الهجرة، ومن لا يملك ثمن النزوح. بين من يعيش على مساعدات الحزب، ومن لا يتلقاها. بين الشباب المهاجر، والجيل الذي لا يزال يؤمن بأن ما يحصل هو واجب مقدّس.
الشيعة اللبنانيون ومأزق الانتماء المزدوج
إقليميًا، يعيش الشيعة اللبنانيون مفارقة صارخة: فهم جزء من محور تقوده إيران، يخوض صراعات كبرى ضد إسرائيل والغرب وبعض العرب، لكنهم في الوقت نفسه مواطنون في دولة فاشلة، بلا أمن ولا اقتصاد، ولذلك فإن الأسئلة الملحة باتت كثيرة:
هل يمكن لفئة مذهبية أن تتحمّل وحدها كلفة استراتيجية إقليمية بهذا الحجم؟
هل الشيعة في لبنان جزء من دولة؟ أم مجرد أداة في محور خارجي؟
ما هو مستقبلهم إذا سقطت الدولة واستمر الصراع؟
إن عملية “طوفان الأقصى” لم تُشعل فقط جبهة الجنوب، بل أطلقت أيضًا نار الأسئلة داخل الطائفة الشيعية اللبنانية.
هي ليست ثورة، ولا انشقاق، لكنها بداية مراجعة داخلية، مؤلمة، حول الثمن والهوية والمصير.
ففي غياب الدولة، واستمرار المواجهة، واستنزاف الداخل، تقف هذه الطائفة على حافة التمزق الهادئ. لا تريد التخلي عن مشروع المقاومة، لكنها لم تعد قادرة على دفع الفاتورة وحدها.
الخيارات ضيقة، والزمن لا ينتظر. فإما أن يُعاد بناء مشروع وطني يدمج الشيعة كشركاء، لا كجبهة قتالية دائمة، أو يستمر الاستنزاف حتى الانفجار.
حزب الله بين خيارين: شريك في الدولة أم عبء على الوطن؟
ولا يمكن فصل مسؤولية “حزب الله” عن مسار الانهيار الذي تعيشه الطائفة الشيعية في لبنان أو الإنهيار الذي يعيشه لبنان اليوم، سواء على مستوى الاقتصاد أو السيادة أو علاقات الدولة مع محيطها والعالم.
إقرأ أيضا: كل الدروب تؤدي إلى الحرب: شهر آيلول مفتوح على التصعيد ولبنان في مهبّ الخيارات الصعبة
فالحزب، الذي كان في الماضي عنوانًا للمقاومة ضد الاحتلال، تحوّل بفعل تمسكه بالسلاح خارج شرعية الدولة، وتدخله في ملفات إقليمية معقّدة، إلى عامل توتير دائم داخليًا وخارجيًا.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يُسائل اللبنانيون الحزب: إلى متى يُفرض على البلاد مشروع لا يحظى بإجماع، ويُدار من خارج المؤسسات؟ وأي منطق يبرر إبقاء البلاد رهينة صراعات تتجاوز حدودها، فيما الناس يبحثون عن خبزهم وأمانهم؟
ولذلك فإن المسؤولية الأخلاقية والسياسية تفرض على الحزب مراجعة أدواره وخياراته، والانتقال من موقع “القرار الأحادي” إلى موقع “الشريك الوطني”. فإما أن يكون جزءًا من حل حقيقي يعيد الدولة إلى شعبها، أو يستمر في تغذية دوامة الانهيار التي تطحن اللبنانيين، وفي طليعتهم أبناء بيئته.

