كل الدروب تؤدي إلى مزيد من الحرب، هذا ما يمكن استنتاجه من خلاصات جولات المبعوث الأميركي توماس براك في لبنان وإسرائيل، فما قاله براك قبل يومين على منصة X هو ان المطلوب من الحكومة أفعال لا أقوال. في رسالة واضحة إلى أن الحكومة اللبنانية لم تقم بما عليها لإنهاء سلاح حزب الله، مشيرًا بوضوح إلى أن واشنطن لا تميز بين جناحي “الحزب” السياسي والعسكري ولا تزال تعتبره منظمة إرهابية.
باختصار، واشنطن لا تريد تقديم ضمانات للبنان مقابل حصرية السلاح بيد الدولة، لا وعدا قاطعا بانسحاب إسرائيل، ولا ضمانات بوقف إسرائيل عملياتها الحربية المستمرة منذ إعلان اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في تشرين الثاني من عام 2024.
بري يحذّر من حرب جديدة تحت “سطوة النار”
مصدر في حركة “أمل” نقل عن الرئيس نبيه بري قوله: “حزب الله عم يكرر نفس الخطأ وعم يراهن على عامل الوقت. هو يظن الآن أن الإسرائيلي والأميركي سيتخلّون عن مطالبهم”، وأبدى بري خشيته من تصعيد إسرائيلي وشيك وتوغّل جديد داخل الأراضي اللبنانية قد يضعنا أمام اتفاق جديد تحت سطوة النار الإسرائيلية، والتجارب أثبتت أن الحزب لا يلتزم بتعهداته إلا تحت القصف.
ويضيف المصدر: كان لبنان على وشك اتفاق حول تسليم السلاح الثقيل فقط، يبدأ من جنوب الليطاني، حيث رُسمت ملامح خطة ترضي جميع الأطراف وتبدأ بدخول الجيش بمواكبة لجنة مراقبة وقف إطلاق النار إلى ما تبقى من منشآت ومخازن لحزب الله والانتهاء من هذه المنطقة خلال شهر، ثم الانتقال إلى باقي المناطق والانتهاء منها أواخر العام الحالي، وخلال هذه الفترة تلتزم إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار وتنسحب تدريجيًا من النقاط التي احتلتها، على أن تبدأ مرحلة الإعمار وترسيم الحدود.
مصدر في حركة “أمل” نقل عن الرئيس نبيه بري قوله: “حزب الله عم يكرر نفس الخطأ وعم يراهن على عامل الوقت. هو يظن الآن أن الإسرائيلي والأميركي سيتخلّون عن مطالبهم”
ويتخوّف المصدر من عودة الأمور إلى المربع الأول، حيث كانت المفاوضات تدور حول نزع كل السلاح الثقيل والمتوسط والخفيف. ويخشى المصدر من ترك لبنان في مهبّ الرياح الإسرائيلية وفوضى أمنية داخلية إذا استمر حزب الله بالمماطلة والمراوغة.
وتوقّع المصدر “أن يشهد شهر آب تصعيدًا إسرائيليًا واسعًا”، كاشفًا عن رسائل مشفّرة أميركية وصلت إلى لبنان تحذّر من ضياع الفرص التي حملها براك للبنان في الجولة الأخيرة من زيارته.
قرار الحرب اتُّخذ… و”حزب الله” يكرر أخطاءه
ما نقله المصدر عن الرئيس بري يتقاطع مع معلومات واردة من واشنطن، مفادها أن قرار الحرب قد اتُّخذ، وأن منتصف أيلول المقبل هو الحد الأقصى المرجّح لقيام إسرائيل بإطلاقها. وتشير المصادر التي نقلت عنها “جنوبية” من واشنطن أن تعاونًا أميركيًا – إسرائيليًا بدأ ميدانيًا من خلال تحضير لحرب ستكون الحرب السابقة نزهة أمام أهوالها، كما قال رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو قبل أسابيع.
يتخوّف المصدر من عودة الأمور إلى المربع الأول، حيث كانت المفاوضات تدور حول نزع كل السلاح الثقيل والمتوسط والخفيف. ويخشى المصدر من ترك لبنان في مهبّ الرياح الإسرائيلية وفوضى أمنية داخلية إذا استمر حزب الله بالمماطلة والمراوغة
تسأل المصادر من واشنطن: هل يعتقد اللبنانيون أن الحرب التي خاضتها إسرائيل في لبنان ستنتهي من دون نهاية البنية الأمنية والعسكرية لحزب الله؟ لتجيب بأن اللبنانيين يجب أن يفهموا هذه الرسالة، والتي تقول إن لبنان بلا “حزب الله” قرار لا عودة عنه، وهو سيتم سلمًا إذا أرادت الحكومة اللبنانية، أو حربًا إذا لم ترد. وتضيف: يبدو أن الحكومة إما لا تريد أو عاجزة عن تنفيذ الاتفاق.
وسط هذه الأجواء المتوترة، يستمر حزب الله في معاندة الوقائع، ومندفعًا لمزيد من المغامرة بلبنان، في ظل انعدام أي أفق لتغيير الوقائع التي كشفتها حرب الإسناد، خصوصا بعد سقوط نظام الأسد وتصدّع محور الممانعة، وفقدانه لخط امداده العسكري.
الخيار المتاح أمامه، بعد رفضه فكرة التخلي عن سلاحه لصالح الدولة، هو التحصن بالناس وببيئته الشيعية على وجه التحديد، مكان مخزونه البشري ومخازن سلاحه، مع العلم ان وقائع حرب الإسناد كشفت ان الجيش الإسرائيلي كان يعرف مكان هذه المخازن التي كانت تُعد بالآلاف ونجح في تدميرها.
كل الدروب توصل إلى الحرب، وما ينتظر لبنان، كارثة إضافية إذا لم يُظهر حزب الله استعدادًا للتضحية من أجل لبنان وشعبه، عبر التسليم للدولة والقطع مع إيران، والانخراط السياسي من دون أن يعني ذلك أن الصراع انتهى، لكن من موقع إعادة رسم قواعد جديدة للصراع تقوم على الابتعاد عن نموذج المواجهة العسكرية، والانتقال إلى مرحلة جديدة تعيد الاعتبار إلى مفهوم القوة، الذي لم يعد ممكنًا اختصاره بترسانة سلاح أو حشد الآلاف من المقاتلين، والإمعان في تقويض شروط قيام الدولة لحساب مشروع إقليمي لبنان فيه ليس أولًا.
في الحرب المقبلة، لن نتمكن من تقدير حجم الكوارث التي قد تنتج عنها، لكن الثابت أن الموقف الأميركي والأوروبي عمومًا والإقليمي لن يكون خارج هذه الحرب، التي ستوفّر غطاء لاسرائيل بموعد زمني من منتصف أيلول وحتى نهاية المدة التي تتطلبها الحرب الفاصلة ضد وجود حزب الله العسكري، من اجل القضاء عليه وفرض شروط جديدة على لبنان، يمكن تفاديها اليوم إن قبل “الحزب” بالدولة اللبنانية مرجعًا بشرطها وشروطها.
اقرأ أيضا: سلاح الحزب بين الضغط الدولي والجمود اللبناني: اختبار السيادة يتعمّق

