في لحظة سياسية دقيقة داخليًا وإقليميًا، يعود بند “حصرية السلاح بيد الدولة” إلى طاولة مجلس الوزراء اللبناني للمرة الأولى منذ توقيع وقف إطلاق النار مع إسرائيل في تشرين الثاني 2024، ما يشير إلى تحوّل جدي في مسار النقاش الوطني حول مستقبل “سلاح حزب الله”، وسط ضغط دولي متزايد وتوترات جنوبية متصاعدة.
جلسة مفصلية في بعبدا: السلاح على جدول الاعمال
سيكون القصر الجمهوري في بعبدا يوم الثلاثاء المقبل مسرحًا لجلسة وزارية تحمل ثقلاً سياسيًا كبيرًا، بعدما تضمن جدول أعمالها بندًا صريحًا يتعلق بـ”استكمال البحث في تنفيذ البيان الوزاري بشأن بسط سيادة الدولة على أراضيها بقواها الذاتية”.
وهو بند يرى فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون فرصة لترسيخ رؤية واضحة حول “شرعية السلاح”، انطلاقًا من خطاب القسم والالتزامات الخارجية، لا سيما تلك المتعلقة بتنفيذ القرار 1701.
“حزب الله”: لا لتسليم السلاح
في المقابل، لا يُبدي “حزب الله” أي ليونة تجاه مطلب نزع سلاحه. النائب حسين جشي اعتبر أن “الطلب من المقاومة التخلي عن سلاحها دعوة مكشوفة لتسليم لبنان لإسرائيل”، بينما أعلن الأمين العام الشيخ نعيم قاسم بشكل حاسم: “لا لنزع السلاح”.
كما زار رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد القصر الجمهوري لإيصال عتب الحزب على مواقف الرئيس عون، ورافق ذلك حملة إعلامية وخطابية تؤكد أن المقاومة خط أحمر في هذه المرحلة.
بحسب مصادر دبلوماسية، فإن الولايات المتحدة ماضية في مقاربتها لـ”نزع السلاح على مراحل”، تحت إشراف مباشر من واشنطن، وبالتوازي مع خطوات إسرائيلية مضادة على الحدود.
الموفد الأميركي توم برّاك لا يزال يتولى إدارة هذا الملف على الأرض، في حين انتقلت مورغان أورتاغوس إلى الأمم المتحدة لمواكبة ملفات “اليونيفيل” و”أندوف”، ما يدل على أن ملف الجنوب اللبناني – والسوري – بات في صلب النقاش الدولي.
تصعيد ميداني في الجنوب السوري واللبناني
بالتوازي، أفاد “المرصد السوري لحقوق الإنسان” بتوغل دورية إسرائيلية في محيط بلدة حضر شمال القنيطرة، ما يعكس استمرار التوترات على الجبهة السورية، وسط غياب أي رد فعلي من دمشق.
ووفي لبنان، كثّفت إسرائيل تحليقها الجوي فوق النبطية والهرمل، وألقت منشورات تهديد في بلدة يارون، فيما سُجّل إطلاق نار على كفرشوبا من موقع رويسات العلم المحتل.
وعقد قائد الجيش العماد رودولف هيكل اجتماعًا استثنائيًا في اليرزة بمناسبة العيد الثمانين لتأسيس المؤسسة العسكرية، حيث تناول التطورات الأمنية في الجنوب والضغوط السياسية، وأكد الاستعداد للقيام بدور الجيش الكامل في حفظ السيادة والاستقرار.
وتلفت مصادر إلى أن خطاب الرئيس عون في عيد الجيش الذي تضمّن إشارة مباشرة إلى “سحب سلاح جميع القوى المسلحة”، في موقف غير مسبوق بوضوحه، يضع الجيش اللبناني في موقع الاستعداد لاتخاذ ادوار فاعلة على مستوى الوطن كله، والقيام بمهام تتسم بالقوة والحزم، ما يحمّل القيادة والألوية وقطاعات الجيش مسؤوليات جديدة جسيمة.
بين التفاهم والمواجهة
تبدو البلاد أمام مفترق طرق سياسي حساس. فإما التوافق على جدول زمني مشترك لتطبيق حصرية السلاح بشكل تدريجي، وإما الدخول في حلقة من المواجهات الدستورية والسياسية، وربما الأمنية.
وتقول مصادر متابعة إن “حزب الله” يحاول تفريغ الجلسة من مضمونها من دون القطيعة مع الرئاسة والحكومة، في محاولة لكسب الوقت، بينما تصر واشنطن وتل أبيب على البدء الفوري بالإجراءات.
اختبار الدولة
والخلاصة، ان التحول في موقف الرئاسة اللبنانية، والضغط الأميركي-الإسرائيلي المتزامن، والواقع الجنوبي الميداني المضطرب، كلها عناصر تضع الدولة اللبنانية أمام اختبار صعب:
هل تستطيع فرض رؤيتها لسيادة السلاح من دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع “حزب الله”؟
أم أن الوقت لم يحن بعد للبت بهذا الملف الشائك، بانتظار ترتيبات إقليمية أوسع؟
إقرأ أيضا: تهديد الشارع… ورقة الحزب الأخيرة في وجه القرار السيادي

