«بيروتشيما»..وانتصارات السلاح غير الشرعي في وطن قابل للانفجار

انفجار مرفأ بيروت

في الذكرى الخامسة لتفجير مرفأ “بيروتشيما” في الرابع من اب – أوغسطس 2020:

«قلنا لبيروت القصيدة كلها…

بيروت دمعتنا…

بيروت قصتنا….

بيروت غصتنا…

ومفتاح لهذا البحر»..

محمود درويش

المرآة المكسورة في زمن الانفجار

لا شيء يطلعُ من مرايا البحرِ في هذا الحصارِ… أن تجدَ الجسدْ في فكرة أُخرى، وأن تجد البلدْ في جُثَّةٍ أخرى، وأن تجد انفجاري في مكان الانفجار أينما وَلَّيْتَ وجهكَ: كلُّ شيء قابلٌ للانفجارِ.

نعم، كل شيء قابل للانفجار. لن تقوم بعد اليوم قيامة طيور الفينيق مرة أخرى، حتى لو بعد ألف عام وعام، قبل قيامة بيروتشيما من تحت الركام… قبل قيامة كل الأشلاء والأسماء والصفات والمواصفات والملامح والأدلة والوثائق المختفية… أو المخطوفة… قبل قيامة الأموات الأحياء… قبل قيامة جميع الأشلاء المدفونة في سماء بيروت أو في القيعان… قبل قيامة جميع الأموات الأحياء من فوق الركام ومن تحت الرماد.

“لا تاريخ إلا ما يؤرَّخه تاريخ الانفجار… قلنا لبيروت القصيدة كلها… بيروت دمعتنا… بيروت قصتنا… بيروت غصتنا ومفتاح لهذا البحر”…

نكسة الوطن وأسطورة الانتصارات المزيفة

لقد غاب عن ذاكرتنا “المتواضعة” الكثير الكثير من انتصارات أولئك الذين انتصاراتهم لا تُعد ولا تُحصى… أولئك الذين خاضوا حروب الآخرين في بلادنا واستباحوا أرضنا وبحرنا وسماءنا… أولئك الذين جعلوا من البندقية غير الشرعية والمدفع والصاروخ شعارًا مقدسًا. أولئك الذين أسقطوا العلم اللبناني وشطبوا منه الأرزة… أولئك الذين جعلوا من السلاح غير الشرعي شرعية مقدسة مطلقة…

أولئك أصحاب البندقية غير الشرعية التي ساهمت في الحروب الداخلية غير الشرعية، ولوي ذراع الوطن الشرعي، ولوي أذرعة الشركاء في الوطن والهوية…

وهذه فقط بعض من الانتصارات “القليلة القليلة” وغير الشرعية… من أشلاء ما تبقى من وطنٍ عالق، أو مُعلّق في هذه الأيام الوجودية… على حراب حزب المنظومة الإيرانية المقدسة، في معارك وتحالفات ومفاوضات ملف الولاية الإلهية المقدس.

انتصاراتكم في رفض التعاون مع القضاء والمحكمة الدولية في مقتل الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والمارة الأبرياء… انتصاراتكم في اغتيال ضباط ومحققين ونواب ووزراء وكتّاب وإعلاميين ومفكرين وأكاديميين… لا يكفي هذا المقال لذكرهم جميعًا… على أرواحهم السلام…

“الآن بحر… الآن بحر… كله بحر… ومن لا بر له… لا بحر له”!.

اجتياح بيروت وتعطيل الدولة والمستقبل

نعم، انتصاراتكم في السابع والثامن من أيار… يوم اجتياح بيروت واستباحتها شارعًا شارعًا، وحارةً حارةً، وبيتًا بيتًا… انتصاراتكم في الهيمنة على الدولة والحكم والمؤسسات كلها دون استثناء، دون أن يرفّ لكم جفن، وكأننا في عصر المغول والتتار والهكسوس…

لن تقوم بعد اليوم قيامة طيور الفينيق مرة أخرى، حتى لو بعد ألف عام وعام، قبل قيامة بيروتشيما من تحت الركام… قبل قيامة كل الأشلاء والأسماء والصفات والمواصفات والملامح والأدلة والوثائق المختفية

ولا ننسى انتصاراتكم العظيمة في الهيمنة على وزارة المالية وأموال الدولة بالجملة والمفرق…

أما أمّ المعارك وأبو الانتصارات فكانت دائمًا وأبدًا في تعطيل أي انتخابات لرئاسة الجمهورية حين لا تكون على مقاييس وشروط ومواصفات سيّادكم وأسيادكم في إيران، وحليفكم في سوريا التيكانت مخطوفة من آل الأسد.

“لا تُولِمْ لبيروتَ الرغيفَ، عليكَ أن تجد انتظاري في أناشيد التلاميذ الصغار، وفي فراري من حديقتنا الصغيرة في اتجاه البحر!”

نعم، انتصاراتكم في حروب عبرا وطرابلس وغيرها والتي رفعتم فيها الرايات وكأنكم فتحتم مدينة القدس التي ما زالت تنتظر على الطريق إليها… أو بمعنى أوضح ومباشر على الطريق إلى القدس… أيّ الطريق إليها…

نعم، انتصاراتكم التي تُعد ولا تُحصى… وتُحصى ولا تُعد على الشعب اللبناني واللبنانيين أجمعين، ولا الضالين… آمين.

انتصاراتكم في تعطيل القضاء في تفجير مرفأ بيروت، ثالث أكبر الانفجارات في التاريخ قاطبة بعد إلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين في نهاية الحرب العالمية الثانية…

انتصاراتكم في تعطيل القضاء المختص في متابعة التحقيق في هذه الجريمة العالمية المروعة وغيرها من الجرائم… وفوق ذلك ترفعون راياتكم في هذه الأيام في وجه أهالي كل المناطق التي احتضنتكم، في استفزاز مقصود لترويع وإخضاع اللبنانيين لما تبقى من الأجندات والرايات والهويات الإيرانية المشبوهة القاتلة.

“خذ نُثاري وانتصر في ما يمزق قلبك العاري، ويجعلك انتشارًا للبذار، قوسًا يلمّ الأرضَ من أطرافها، جرسًا لما ينساه سكان القيامة من معانيك…”

الجريمة الكبرى والانفجار المستمر في وجدان بيروت

الخطأ العلميّ قد يُسقط تجربة، لكن الخطأ المقصود والمفتعل لإخفاء ما يمكن إخفاؤه من جرائم ضدّ الإنسانية، يُسقط أمةً بأكملها في مستنقع التيه والتشرذم والضياع والحروب.

بعد مرور خمس سنوات على تفجير مرفأ بيروتشيما، ما زال سكان بيروت يتعافون من تداعياته الجسدية والنفسية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية…

تفجير مرفأ عاصمة العواصم، بيروت الفينيق، كان بمثابة انفجار قلوب… الانفجار الذي أحرق قلوبنا… الانفجار الهائل الذي هزّ مدينة الفينيق، بيروت السماء العالية، عاصمة لبنان، في 4 أغسطس 2020، والذي توفّي على إثره أكثر من 200 شخص، وأُصيب الآلاف بجروح مخيفة.

الانفجار الكارثي الذي حصل، زُعم انه بسبب “احتراق” أو “اختراق” كمية كبيرة من نترات الأمونيوم – وهو مركّب يُستخدم في صناعة المتفجرات –، التي لم يكن يعلم بها سوى الله في السماء والشياطين على الأرض،  كانت مُخزّنة في مرفأ بيروت منذ ستّ سنوات، في ظلّ ظروفٍ غير آمنة، واستخدامات أصبحت معروفة للصغار قبل الكبار…

شكّل الانفجار في سماء بيروتشيما سحابة بيضاء تشبه فطر عش الغراب أو الانفجارات الذرية والنووية، كما امتدّ دويُّهُ على طول المدينة وضواحيها، مما أدّى إلى تضرر العديد من المباني المحيطة بمكان الانفجار، ودمار بعض المنازل التي تحوّلت إلى أنقاض على أصحابها.

انتصاراتكم في تعطيل القضاء المختص في متابعة التحقيق في هذه الجريمة العالمية المروعة وغيرها من الجرائم… وفوق ذلك ترفعون راياتكم في هذه الأيام في وجه أهالي كل المناطق التي احتضنتكم

محاولة اغتيال بيروت

عندما ضربت الكارثة – أو محاولة اغتيال قلب بيروت، كما يحب البعض أن يسميها، وأنا واحد منهم – كان لبنان يرزح تحت وطأة الأزمات والتحديات الاقتصادية والتظاهرات الشعبية، كما كان يعاني من زيادةٍ في معدّلات الفقر والبطالة، التي تفاقمت بسبب التوترات السياسية، ونتيجة تزايد عدد حالات المُصابين بفيروس كورونا. وقد تفاقم ذلك مع وجود عدد كبير من اللاجئين السوريين والفلسطينيين على الأراضي اللبنانية.

“ظننتُ أنّ اليوم هو اليوم الذي سأموت فيه”، قال الشاب ركان الذي غمرته ذكريات مؤلمة من الانفجار الذي دمّر منزله بالكامل، وتسبّب بجِرحٍ بليغٍ في رجله.

نعم، ذكريات مؤلمة من الانفجار الذي ما زلنا نعيش على صداها المرعب حتى نكتشف الحقيقة.

“أخشى أن يحدث شيء مشابه مرة أخرى”، تقول الشابّة رولا التي فقدت والدها في الانفجار.

حتى اليوم، لا تزال مريم تجفل عند سماع أي صوت صغير في الشارع، وترتجف من احتمال وقوع انفجار آخر مشابه في بلدٍ جعل منها السلاح غير الشرعي قابلة للانفجار في كل لحظة.

ولكن على الرغم من فظاعة الانفجار والأضرار والمآسي التي سبّبها، فإن الكثير من اللبنانيين/ات لم يثنهم/ن أحد عن المضي قُدُماً، على غرار ذلك الرجل الذي قال بثقة: “رغم كل شيء، نحن باقون في لبنان”. نعم، باقون في لبنان…. وللحلم والتصميم في إكتشاف الحقيقة القانونية بقية!

إقرأ أيضا: تهديد الشارع… ورقة الحزب الأخيرة في وجه القرار السيادي

السابق
جعجع: «الحزب» أعاد لبنان مئة سنة إلى الوراء… رسالة واضحة للإسرائيليين!
التالي
جنوباً وبقاعاً… «الحزب» يشيّع 3 من شهدائه!