لم تشهد البيئة الشيعية في القرى الحدودية أية حركة نزوح منها إلى مناطق أخرى.
أربعُمئة عائلة في ميس الجبل، ومئات العائلات في شقرا، من سكانها الأصليين والوافدين إليها من البلدات المجاورة، والعدد إلى ازدياد رغم سلبية الأجواء السياسية التي تُلوّح بحرب جديدة.
ومن كان ميسورًا بعض الشيء، غادر ليبني في مناطق أكثر أمانًا وابتعادًا عن الشريط الحدودي مع إسرائيل.
دوافع البقاء: قهر اقتصادي ووعود غير محققة
الأسباب التي أدّت إلى بقاء الأهالي في بلداتهم متعددة، وتبدأ بانعدام القدرة على النزوح مجددًا، رغم الاستباحة الإسرائيلية لميس الجبل وكفركلا على مدى أسبوع، بذريعة وجود تهديدات مرتقبة من حزب الله.
كثير من المتضررين من الدمار الجزئي لم يحصلوا على تعويضات من الحزب، فقاموا بترميم منازلهم على نفقتهم الخاصة، ودفعوا المال وهم غير قادرين على أن يتركوا مكانهم.
كما أن حزب الله لم يخصص أموالًا لنزوح أي عائلة، وكثير من المدارس اتخذت قرارًا بعدم فتح أبوابها أمام النازحين، لأن أحدًا لم يعوضها عن خسارتها من الحرب السابقة.
أما الأهالي الذين تلقّوا بدل الإيواء لمدة سنة، فهم قلقون من عدم الحصول على الدفعة الثانية، بعدما تدمرت منازلهم بشكل كامل.
منطقة جنوب الليطاني خالية من سلاح حزب الله بشكل تام، لذلك يعتقد الأهالي أنها لن تتعرض لحرب مدمّرة، وخصوصًا بعد تسليم الحزب سلاحه وتفجير الجيش اللبناني للمنشآت والمواقع والذخيرة.
ويتردد آلاف الأهالي في النزوح إلى مناطق ذات غالبية من الطوائف الأخرى، خصوصًا بعد الانقسام العمودي الحاصل بين الطوائف نتيجة تداعيات التطورات الدامية في سوريا بين الشيعة والسنّة.
لا خيار أمام البيئة الشيعية الجنوبية حتى الآن سوى البقاء. أمّا من يحمي هذه البيئة، فهي بلا حماية في الوقت الراهن، لا من الدولة التي لم يُؤخذ رأيها في قرار إسناد غزة، ولا من الحزب المنصرف إلى أولوياته المالية والعاجز حاليًا عن تأمين حاجات بيئته.
قصف ممنهج وانهيار أمني
القوات الإسرائيلية تدخل البلدات وتفجّر المنازل بالجرافات، والهدف منع إزالة الركام وإعاقة عملية الترميم.
في ميس الجبل، حتى مناسبات الموت تتعرض للتهديد من المسيّرات، وآخر التهديدات تمثّل في رمي قنبلة صوتية على تجمّع بشري للعزاء برجل من أهل البلدة، وملاحقة الجنازة قبل الدفن وبعده.
الجيش اللبناني لا يحضر إلى البلدة إلا بعد انتهاء التوغلات الإسرائيلية، أما في الجنازات، فتحرص عناصره على الاختباء بين المشيّعين خوفًا من استهداف العدو لها.
إسرائيل تمنع إزالة الركام في البلدة، في المواقع المواجهة للحدود معها، رغم أن إزالة الركام تعود بالفائدة إلى الجيش الإسرائيلي نفسه.
السلوك الإسرائيلي تجاه أهل الجنوب والبيئة الشيعية، يجبر هؤلاء على اللجوء إلى حزب الله، خصوصًا بعد استهداف إسرائيل للمزارعين والرعاة والصيادين والمدنيين.
على الأميركيين، إذا كانوا جادّين، أن يستغلوا حاجة الناس إلى الأمن والأمان، ويدعموا الجيش اللبناني بدل أن يتركوه ضعيفًا أمام التكنولوجيا الإسرائيلية المدمّرة.
أمام انتخابات نيابية مرتقبة، سيتمكن حزب الله من النجاح فيها إذا ما رأت بيئته أنه مخلّصها الوحيد.
وفي المحصّلة، يبقى بنيامين نتنياهو الخاسر الأكبر من عودة الاستقرار إلى الجنوب، لأن إرساء السلام يعني البدء بفتح ملفاته في الداخل الإسرائيلي، وهو أمر يتجنّبه اليميني المتطرف.
اقرأ أيضا: سلاح الحزب بين الضغط الدولي والجمود اللبناني: اختبار السيادة يتعمّق

