في تطور لافت يُعدّ الأول من نوعه منذ تأسيسه، أبلغ حزب الله عائلات مقاتليه الذين قُتلوا في معاركه المتعددة منذ الثمانينات، عن قرار رسمي يقضي بإلغاء الدعم المالي المخصص لتعليم أبنائهم الجامعي.
هذا القرار، الذي اتخذته مؤسسة “الشهيد” التابعة للحزب والمسؤولة عن رعاية تلك العائلات، يشير إلى أزمة مالية خانقة يمر بها الحزب دفعت به إلى اتخاذ تدابير تقشفية غير مسبوقة.
توقّف تغطية الجامعات الخاصة
بحسب مصادر مطلعة، بدأت المؤسسة بإبلاغ العائلات تدريجياً بأنها لن تُغطي بعد الآن أقساط الجامعات الخاصة، وهو ما يشمل أبناء القتلى في جميع معارك الحزب، من حربه ضد إسرائيل في الثمانينات، مروراً بحرب تموز 2006، وأحداث 7 أيار 2008، وصولاً إلى قتلى الحرب السورية والنزاع الأخير مع إسرائيل في 2024.
إقرأ أيضا: سلاح حزب الله: عبء على لبنان وقيود في معاصم شيعته
لسنوات، كانت المؤسسة تضمن حرية اختيار الجامعة الخاصة للطلاب الذين فقدوا آباءهم في صفوف الحزب، مع تغطية مالية كاملة. اليوم، تغير المشهد تماماً. فالدعم اقتصر على رسوم التسجيل فقط، وفي مؤسسات تعليمية محددة هي الجامعة اللبنانية وجامعة المعارف التابعة للحزب، دون أي مساهمة في التكاليف الأخرى من كتب، ومواصلات، ومعيشة.
غضب وقلق بين الأهالي
هذا التحول المفاجئ أثار استياءً واسعاً في أوساط الأهالي، الذين فوجئوا بالقرار وتداعياته. إحدى الأمهات، التي فقدت زوجها في سوريا عام 2015، روت أن مسؤولة في المؤسسة طلبت منها “الصبر لأن الحزب محاصر ويعيش وضعاً صعباً”، ما زاد من حدة القلق لدى ابنها الذي كان يدرس في الجامعة العربية وقد تدهورت حالته النفسية إثر توقف الدعم.
وعلى الرغم من الحديث سابقاً عن احتمال استثناء الطلاب القدامى، إلا أن القرار شمل الجميع دون استثناء.
تشدد في المدارس والقطاع الصحي
لم تقتصر الإجراءات التقشفية على التعليم الجامعي. فقد أُجبر الأهالي أيضاً على تسجيل أولادهم في مدارس “المهدي” و”المبرّات” التابعة للحزب، بعد أن كانوا يتمتعون بحرية اختيار المدارس. أما في القطاع الصحي، فباتت التغطية محصورة بالمستشفيات والمستوصفات التابعة للحزب فقط.
أزمة تمويل خانقة وأسباب متعددة
مصادر مقربة من الحزب أشارت إلى أن هذه الخطوات تندرج ضمن ما تسميه “سياسة ترشيد الموارد”. لكن مراقبين يربطونها بأزمة تمويل أعمق، سببها التضييق على طرق التمويل التقليدية، خصوصاً بعد إغلاق الممر البري بين إيران والعراق وسوريا ولبنان، وقرار منع هبوط الطائرات الإيرانية في مطار بيروت منذ فبراير 2025.
إقرأ أيضا: الدولة والفصائل المسلّحة بالعراق.. في مهب المسيّرات!
وحسب المحلل السياسي مروان الأمين، فإن الحزب لجأ إلى وسائل بديلة لضخ الأموال، مثل التهريب واستثمارات رجال أعمال موالين، إلا أن هذه الطرق لم تعد كافية لتغطية النفقات الهائلة التي اعتاد عليها.
تقشف يمتد إلى الجبهة العسكرية
الأزمة دفعت الحزب أيضاً إلى اتخاذ خطوات تقشفية داخل البنية العسكرية. فقد جرى الاستغناء عن عناصر يسكنون في مناطق نائية لتقليل نفقات السكن والنقل، كما أعيد توزيع عناصر آخرين بالقرب من مناطق سكناهم الأساسية.
مستقبل العلاقة مع البيئة الحاضنة
هذا التحول المالي يعكس تغيراً بنيوياً في علاقة حزب الله مع بيئته الاجتماعية. فالخدمات التي اعتُبرت لسنوات جزءاً من عقد الولاء المتبادل، بدأت تتقلص. وفي ظل هذا التراجع، تبرز تساؤلات حول قدرة الحزب على الحفاظ على ولاء جمهوره، خصوصاً مع تزايد الضغوط الإقليمية والدولية.

