تابع المبعوث الاميركي إلى بيروت توم برّاك زيارته إلى لبنان، وعلى مدار ثلاثة أيام من الاجتماعات المكوكية واللقاءات السياسية ، وبدا أن براك يحاول التقاط خيوط خجولة من إمكانية التفاوض وسط انعدام الثقة بين الأطراف، خصوصاً في ظل إصرار أميركي على نزع سلاح “حزب الله”.
تشاؤم أولي وتصريح “بناء” لاحق
بدأت زيارة براك بأجواء مشحونة. فخلال لقائه في السراي الحكومي، لم يُخفِ نبرته الصارمة التي انعكست على تقييم سياسيين لبنانيين اعتبروا أن براك جاء “ليبلغ، لا ليتفاوض”. إلا أن هذا الانطباع تبدد جزئياً بعد لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث خرج بتصريح مقتضب وصف فيه اللقاء بـ”الممتاز”، مضيفاً: “نعمل قدمًا للوصول إلى الاستقرار، وعليكم أن تتحلوا بالأمل.”
غير أن التفاؤل الذي حاول براك تسويقه إعلامياً، لم يَصمد كثيراً أمام ما كشفته مصادر موثوقة لصحيفة “نداء الوطن”، والتي أشارت إلى أن مضمون الاجتماع كان بعيداً كل البعد عن أجواء الانفراج.
الاجتماع مع بري: واقعية لبنانية تقابلها شروط أميركية صارمة
في لقائه مع براك، وضع الرئيس بري واقع الأمور على الطاولة بوضوح، سائلاً ضيفه: “كيف يمكننا أن نقدم لـ«حزب الله» خطوة تشجعه على الانخراط في الاتفاق؟”، في إشارة إلى رغبة الجانب اللبناني في مقاربة تدريجية تبدأ بخطوة إسرائيلية – مثل انسحاب محدود أو وقف مؤقت للعدوان – من أجل إقناع “حزب الله” بالانخراط في تسوية شاملة.
إقرأ أيضا: توم برّاك يحذر من سيناريو أسوأ من ليبيا وأفغانستان في سوريا.. هل من خليفة للشرع؟
لكن براك، بحسب المصادر، كان واضحاً إلى حد القسوة، إذ أجاب: “لا يمكننا أن نعطيكم شيئًا ما لم تقدموا التزامًا واضحًا من الدولة اللبنانية بسحب سلاح حزب الله، مع جدول زمني وتواريخ محددة.”
مبادرة لبنانية بديلة: خريطة طريق تبدأ بانسحاب جزئي
على الرغم من هذا التشدد الأميركي، طرح بري خلال الاجتماع مبادرة جديدة تمثلت في مقترح واقعي يأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الداخل اللبناني.
وتقضي المبادرة بانسحاب جزئي من بعض النقاط الحدودية المحتلة جنوبًا، على أن يقابلها الحزب بخطوة تدريجية تتمثل بإخلاء منطقة جنوب الليطاني من السلاح، بما يمهّد لتنفيذ بند “حصرية السلاح” في إطار تفاهم طويل الأمد برعاية أميركية.
كما شمل المقترح تجديد ولاية قوات اليونيفيل، وتثبيت الحدود البرية، ما يفتح الباب لاحقًا لتفاهم لبناني داخلي حول استراتيجية دفاعية جديدة تحفظ الأمن من دون تفكيك شامل للسلاح قبل توفير الضمانات الأمنية والسياسية.
ردّ “حزب الله”: سخرية إعلامية وتعقيد في الخلفية
ردّ “حزب الله” لم يتأخر، وجاء ساخراً عبر قناة “المنار”، التي وصفت براك بـ”الواعظ الأميركي”، مشيرة إلى أن بلاده لم تقدم أي “مدماك” حقيقي لدعم الأمل الذي يدعو إليه، لا في لبنان ولا في عموم المنطقة.
الرسالة الإعلامية للحزب توحي بتصعيد معنوي مقابل رفض فعلي لتقديم أي تنازلات في ملف السلاح من دون ضمانات واضحة ومقابل سياسي وأمني مباشر.
لقاءات موازية: إصلاحات في الواجهة والضغوط في الخلفية
قبل لقائه بري، اجتمع براك مع وزير المالية ياسين جابر، حيث ناقش الطرفان سير خطة الإصلاح الحكومية، لا سيما في مجالات إصلاح القطاع المصرفي، الرقمنة، والجمارك.
وأكد جابر لبراك أن الاستقرار الأمني هو مفتاح نجاح أي إصلاح، لافتاً إلى ضرورة الدعم الأميركي في هذا المجال.
براك، من جانبه، أثنى على الخطوات الإصلاحية لكنه شدد على أن “الوقت يداهمنا”، في إشارة إلى ضرورة التسريع في تنفيذ الالتزامات، وربما في إشارة ضمنية إلى أن “الدعم الدولي” مشروط بوضوح الموقف اللبناني من القضايا الأمنية والسياسية الكبرى، وفي مقدمتها سلاح “حزب الله”.
اللقاء مع الإعلام: مؤشرات ودلالات
عند وصوله إلى عين التينة، بقي براك في سيارته لمدة سبع دقائق قبل الدخول، في وقت رجحت فيه مصادر أنه كان يجري اتصالات هاتفية مع مرجعيته في واشنطن. وقد أجاب عن سؤال لإحدى الصحفيات حول ما إذا كان متفائلاً بقوله: “نعم.”، مضيفًا أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن لبنان.
وبعد لقائه بري، عاد وأكد: “الاجتماع بنّاء، ولكن الوقت يداهمنا. نحن نحرز تقدمًا، والمجال مفتوح للدبلوماسية، التي تبقى الخيار الأخير قبل الحرب.”
هل تُفتح نافذة التفاوض من جديد؟
بحسب مصادر مقربة من أجواء عين التينة، فإن اللقاء بين براك وبري ساهم في خفض منسوب التشاؤم الذي سبق الزيارة، وفتح الباب أمام جولة تفاوضية جديدة ستنتظر رد الإدارة الأميركية على المقترح اللبناني، إلى جانب الرد الرسمي الذي تسلمه براك من الرئيس عون.
إقرأ أيضا: عون: لا عودة عن حصرية السلاح!
غير أن نفي عين التينة لما أشيع عن اقتراح قدمه بري لوقف الأعمال الحربية لمدة 15 يومًا مقابل تحرك لجمع سلاح “حزب الله”، يدل على أن بري حريص على ضبط السقف السياسي للمبادرة، بحيث لا تُفهم كمقايضة بل كجزء من مسار سياسي أوسع.
جولة ثالثة بلا اختراق.. لكنها ليست عبثية
رغم عدم تسجيل خرق فعلي في جدار الأزمة، فإن الجولة الثالثة من زيارة براك إلى بيروت أعادت وضع الملف على الطاولة بطريقة أكثر واقعية، بعد أن كاد ينزلق إلى مربع الانفجار.
المبادرة اللبنانية قد تكون مدخلاً لتفاهم طويل الأمد، لكنها تحتاج إلى مرونة أميركية، وإلى استعداد داخلي لبناني للانخراط في تفاهمات جدية تحفظ السيادة وتحقق الأمن والاستقرار.
فهل تُلتقط هذه اللحظة؟ أم أن الوقت – كما قال براك – فعلاً يداهم الجميع؟

