محمد الأسعد سفير لفلسطين في بيروت: ترتيب البيت الداخلي أم تمهيد لتسليم السلاح؟

بينما يراوح ملف سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات اللبنانية مكانه، بعد سقوط المهل الزمنية وتعثر انطلاق المرحلة الأولى من جمعه، التي كانت مقررة منتصف حزيران الماضي، بدأت حركة “فتح” بإجراء تغييرات قيادية متسارعة ضمن مساعيها لترتيب “البيت الداخلي”، على وقع زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى بيروت  التي جرت في 21 أيار 2025.

وخرجت إلى العلن اعتراضات داخل صفوف الحركة، وخصوصًا من بعض القياديين الرافضين لخطوة تسليم السلاح بهذه السرعة، ومن دون فتح حوار داخلي أو وطني شامل حول تداعياتها.

تأتي هذه الخطوات لتعبّر عن رغبة القيادة الفلسطينية في إعادة التموضع داخل المخيمات، وتثبيت نفوذها تمهيدًا لمرحلة جديدة في إدارتها، من خلال إعادة هيكلة اللجان الشعبية وتوسيع صلاحياتها، مع التركيز على تعزيز التنسيق مع الدولة اللبنانية. وقد جاءت هذه القرارات في إطار تثبيت مرجعية القيادة العليا للحركة في لبنان.

وضمن هذا السياق، جاءت سلة من التعيينات شملت مراكز أمنية متعددة وتعيين سفير فلسطيني جديد في بيروت هو محمد الأسعد، الذي شغل مناصب عدة في بعثات فلسطينية في دول استراتيجية مثل أوكرانيا وروسيا وموريتانيا. ومن المتوقع أن يلعب السفير الأسعد دورًا محوريًا في تعزيز التنسيق بين القيادة الفلسطينية والسلطات اللبنانية، وإعادة ترتيب الشؤون الفلسطينية داخل المخيمات اللبنانية، في ظل المرحلة الجديدة التي تشهدها الساحة الفلسطينية في لبنان. كما يُرتقب أن يساهم في دعم توجهات السلطة الفلسطينية لتعزيز حضورها السياسي وتنظيمها الداخلي في ظل التحديات الأمنية والاجتماعية التي تواجه اللاجئين الفلسطينيين في البلاد.

ترتيب البيت الفلسطيني!

وفي هذا السياق، تحدثت “جنوبية” إلى الباحث الفلسطيني ومدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية، هشام دبسي، الذي رأى أن “التعيينات الأخيرة تأتي في سياق سياسي واضح مرتبط بزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى لبنان، وما رافقها من تعهدات رسمية بضرورة إنهاء ظاهرة السلاح الفلسطيني داخل المخيمات”.

جاءت سلة من التعيينات شملت مراكز أمنية متعددة وتعيين سفير فلسطيني جديد في بيروت هو محمد الأسعد، الذي شغل مناصب عدة في بعثات فلسطينية في دول استراتيجية مثل أوكرانيا وروسيا وموريتانيا

وأوضح دبسي أن “الزيارة كشفت عن وجود إشكاليات تنظيمية لضمان تنفيذ وتمثيل حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وكذلك في عمل السفارة الفلسطينية في بيروت”، مشيرًا إلى أن “القيادة الفلسطينية رأت ضرورة إعادة هيكلة المؤسسات الفلسطينية في لبنان، بما في ذلك السفارة وقوات الأمن الوطني ومؤسسات أخرى، لضمان تمثيل دقيق وفعال للسياسات الرسمية الصادرة عن رام الله”.

وأضاف: “الهدف من هذه الهيكلة هو ترتيب البيت الفلسطيني في لبنان بطريقة تمكّنه من تطبيق التعهدات التي قطعها الرئيس عباس، لا سيما خلال لقائه الأخير مع قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون”. وأشار دبسي إلى أن الأمور تسير حتى الآن في الاتجاه المرسوم، مع إحداث تغييرات من أجل استنهاض البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد فترة من الركود. وأضاف أن سلة التعيينات الأخيرة، بما في ذلك التعيينات الأمنية، تأتي في هذا الإطار، وقد لاقت ارتياحًا واسعًا بين القاعدة الفتحاوية والفلسطينية بشكل عام.

صراع الشرعيات!

وشرح دبسي، انه في ظل الانقسامات العميقة التي تعصف بالمشهد الفلسطيني داخل لبنان، شهدت الفترة الأخيرة نشاطًا متزامنًا لكل من “تحالف القوى الفلسطينية” المكوّن من كافة الفصائل و”منظمة التحرير”، حيث أعلنا خطوات لإعادة ترتيب وتفعيل اللجان الشعبية داخل المخيمات. ورغم أن هذه التحركات تأخذ طابعًا تنظيميًا وخدميًا، إلا أنها تكشف في جوهرها عن صراع على الشرعية والتمثيل السياسي داخل بيئة تعاني من الفقر والتهميش المستمر.

ففي حين يسعى تحالف القوى إلى ترسيخ حضوره عبر لجانه الشعبية المستقلة، تبذل القيادة الرسمية، برعاية الرئيس محمود عباس، جهودًا لإعادة تشكيل هذه اللجان وفق معايير شاملة تركز على الكفاءة والنزاهة والتمثيل العادل، في محاولة لاستعادة السيطرة وإدارة الملف الفلسطيني في المخيمات. وبات الصراع يتجاوز الخدمات اليومية ليصل إلى حق الحديث الرسمي والتمثيل الشرعي، في وقت تواجه المخيمات تحديات أمنية واجتماعية واقتصادية متزايدة.

وفيما يتعلق بالتنافس داخل المخيمات الفلسطينية، شدد الباحث هشام دبسي على أن “الأمر الأساسي يكمن في الدور الذي تضطلع به منظمة التحرير الفلسطينية من خلال اللجان الشعبية، التي تُعتبر الهياكل الرسمية الممثلة للمخيمات وقائدة حركتها، وتتولى التنسيق والتعامل مع الدولة اللبنانية”. ويضيف دبسي أن “وجود هياكل موازية لا يمنحها أي شرعية فعلية، إذ إن الدولة اللبنانية تتعامل فقط مع دولة فلسطين ومؤسساتها الرسمية، وليس مع الفصائل المستقلة”. ويشير: “ما يشهده ملف الإصلاح هو جهود منظمة التحرير لتحديث وتطوير بنيتها ككل، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وليس أي فصيل منفرد”.

الباحث هشام دبسي

انقسام فتحاوي!

أكد هشام دبسي أن الاعتراض على تسليم سلاح المخيمات الفلسطينية ظهر بشكل واضح داخل حركة فتح، حيث تعود بعض مواقف الكوادر إلى مرحلة سابقة، فيما تحرك آخرون بمصالح شخصية للحفاظ على الوضع القائم. وأكد دبسي أن التعامل مع هذا الواقع يتم من خلال إعادة هيكلة شاملة لضبط المضمون السياسي للهيئات الفلسطينية في لبنان، وتوحيد الخطاب الرسمي تحت مظلة حركة فتح والسلطة الوطنية ومنظمة التحرير، والسير قدمًا في تنفيذ القرارات الصادرة عن هذه المؤسسات.

كما أشار الى ان الاعتراض لم يقتصر على داخل حركة فتح، بل شمل أطرافًا أخرى. فقد أكد “الحراك الفلسطيني الموحد” في المخيمات اللبنانية أن ملف السلاح الفلسطيني يتجاوز كونه قضية تقنية أو عسكرية، بل يرتبط بحق العودة وكرامة الفلسطيني وحقه في الحماية، فضلًا عن الوجود السياسي والاجتماعي لمجتمع لا يزال محرومًا من أبسط حقوقه. وشدد الحراك على أن أي محاولة للتعامل مع هذا الملف من دون توافق وطني وحوار شامل لن تزيد إلا من التوتر والتهميش، رافضين نية الرئيس محمود عباس تسليم السلاح إلى الدولة اللبنانية دون تشاور مسبق مع الفصائل والقوى الفلسطينية في لبنان.في المقابل، دعا الحراك الفلسطيني الحكومة اللبنانية إلى فتح حوار شامل مع القوى الفلسطينية لإعداد خطة مشتركة تعالج أوضاع المخيمات، بما فيها ملف السلاح، وفق معايير تحفظ الأمن وتحترم حقوق اللاجئين. وأكد الحراك على أهمية وحدة الموقف الفلسطيني وتشكيل مرجعية موحدة تمثل الفلسطينيين سياسيًا وأمنيًا أمام الدولة اللبنانية وأي أطراف خارجية.من جهتها، أكدت حركة حماس أن الحركة لم تتلق حتى الآن أي طلب رسمي من الدولة اللبنانية بهذا الخصوص، معتبرة أن أي موقف بهذا الشأن سيكون جامعًا على المستوى الفلسطيني، ويحفظ سيادة لبنان ومصالحه، كما يراعي مصلحة الشعب الفلسطيني.

البيان المشترك اللبناني – الفلسطيني!

أما عن اللقاء بين الرئيسين اللبناني والفلسطيني، حسب دبسي، فقد كان من أبرز ما نتج عنه البيان الثنائي المشترك الذي تناول مفهوم العلاقة الفلسطينية – اللبنانية في لبنان ضمن محددات ونظرة تهدف إلى تحقيق المصلحة الوطنية اللبنانية، والمحافظة على المصلحة الوطنية الفلسطينية، ونقل حالة المخيمات الفلسطينية من حالة العسكرة والتهميش إلى حالة السلام والامتثال لقوانين الدولة وعدالتها ورعايتها. ودعا الحراك الفلسطيني الحكومة اللبنانية إلى فتح حوار شامل مع القوى الفلسطينية لإعداد خطة مشتركة تعالج أوضاع المخيمات، بما فيها ملف السلاح، وفق معايير تحفظ الأمن وتحترم حقوق اللاجئين

أكد هشام دبسي أن الاعتراض على تسليم سلاح المخيمات الفلسطينية ظهر بشكل واضح داخل حركة فتح، حيث تعود بعض مواقف الكوادر إلى مرحلة سابقة، فيما تحرك آخرون بمصالح شخصية للحفاظ على الوضع القائم

وبهذا المعنى، أشار دبسي إلى أن أهم ما تحقق في اللقاء المشترك هو صدور بيان مشترك أصبح بمثابة المرجع الذي يُستند إليه لبنانيون وفلسطينيون لإنتاج حلول تحقق حصرية السلاح لمصلحة الدولة اللبنانية، وتحقق العيش الآمن للمجتمع الفلسطيني داخل المخيمات، بعيدًا عن حالة العسكرة.

وتابع بالقول: “كل الأمور المتبقية تركت للجان المتخصصة ضمن لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني من طرف الحكومة اللبنانية، ومنظمة التحرير من الطرف الفلسطيني، وكل القضايا المطروحة للنقاش والتي تخص شؤون اللاجئين تركت للجان المتخصصة. فالوضع معقد وصعب ويتطلب وقتًا، فالملف عمره يمتد لعام 1967 ونعالج ملفًا ذا أبعاد إقليمية ودولية، لذلك هو مرتبط بتطبيق القرار 1701. فنحن لسنا إزاء قضية تقنية، بل هذه مسألة سياسية بامتياز في كل الأبعاد”. ومن ضمن البنود التي تهتم بها اللجان مسألة السلاح الفلسطيني داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان.

هل تم تعيين أشرف دبور سفيرًا في سلطنة عمان؟

أجاب دبسي انه لغاية اليوم، ليس هناك معلومات موثوقة رسمية عن تعيين السفير أشرف دبور سفيرًا في سلطنة عمان، أو عما إذا كان لهذا التعيين علاقة بالمفاوضات الإيرانية – الأميركية التي تلعب فيها عمان دورًا وتستضيفها، واعتبر أن “المسألة هنا لا ترتبط بشخص السفير الجديد في بيروت بقدر ما ترتبط بالتغيرات الهيكلية في حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، وبالتالي لا يمكن أن يأتي سفير جديد غير قادر على تطبيق السياسات الرسمية”.

يُشار إلى أن السفير الفلسطيني السابق أشرف دبور تولى منصب سفير دولة فلسطين في لبنان منذ عام 2011، حيث كان يمثل السلطة الفلسطينية ويشرف على العلاقات مع السلطات اللبنانية والفصائل الفلسطينية في المخيمات.

اقرأ أيضا: الردّ اللبناني بيد برّاك..ولبنان بين «نزع السلاح» أو العزل!

السابق
بالصور: القبو الأسود «راكيفت» جناح العزل المطلق.. هكذا تحتجز إسرائيل أسرى «الحزب» من «قوة الرضوان»
التالي
جريمة مروّعة في عمشيت: صداقة تنتهي بالرصاص والموت داخل منزل