في توقيت بالغ الحساسية، وبمشهدية شعبية كثيفة خلال إحياء مسيرات عاشوراء، بعث “حزب الله” برسالة واضحة: لا يزال موجوداً، رغم الأعاصير السياسية والعسكرية التي ضربته خلال الأشهر الماضية. موقع The Observer البريطاني وصف هذه المسيرات بأنها كانت بمثابة “عرض دعم داخلي للحزب، ربما الأهم منذ تأسيسه”، إذ أتت بعد سلسلة من الهزات الإقليمية الكبرى التي أطاحت بحلفائه الأساسيين وقلّصت نفوذه بشكل غير مسبوق.
فقد شهدت نهاية عام 2024 حدثاً مفصلياً مع سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، بعد 14 عاماً من الحرب الأهلية. ومع هذا السقوط، انسحب حزب الله فجأة من سوريا، متخلياً عن حليف استراتيجي وعن الطريق البرّي الحيوي الذي كان يربط إيران بلبنان. ثم ما لبثت أن اندلعت حربٌ إسرائيلية ـ إيرانية طاحنة استمرت 12 يوماً، أضعفت طهران إلى حدّ جعلها عاجزة عن الاستمرار في تمويل الحزب، الذي طالما اعتمد على الدعم الإيراني كرافعة أساسية لنفوذه العسكري والاجتماعي.
عرض أميركي ينتظر القرار
في ظل هذا الواقع، يشير تقرير The Observer إلى أن الحزب بات أمام “الخيار الأكثر أهمية في تاريخه”: إما أن يُلقي سلاحه مقابل حزمة تسهيلات سياسية واقتصادية، أو أن يواصل القتال، أو أن ينخرط كلياً في اللعبة السياسية اللبنانية.
فالمقترح الأميركي المطروح على الطاولة – وفقاً للتقرير – يتضمن مساعدة مباشرة في إعادة إعمار مناطق الحزب المدمّرة، وضخّ أموال في الاقتصاد اللبناني المنهار، بالإضافة إلى وقف الضربات الإسرائيلية اليومية وانسحابها من الأراضي اللبنانية، مع إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين. لكن كل ذلك مشروطٌ بالتخلي عن السلاح.
الخبير اللبناني هلال خشان قال للموقع: “حزب الله كمنظمة عسكرية أصبح من الماضي. الآن، أمامه لحظة الحقيقة”. ويضيف أن الحزب، الذي طالما وُصف بأنه دولة داخل الدولة، بات مضطراً إلى التحوّل التدريجي نحو دور سياسي صرف، على غرار النموذج الإيرلندي في التسعينيات بعد اتفاق “الجمعة العظيمة”.
الحزب بات أمام “الخيار الأكثر أهمية في تاريخه”: إما أن يُلقي سلاحه مقابل حزمة تسهيلات سياسية واقتصادية، أو أن يواصل القتال، أو أن ينخرط كلياً في اللعبة السياسية اللبنانية
حزب الله وتحدي البقاء
رغم ذلك، لا يبدو أن الحزب مستعد لإعلان هزيمة أو خضوع. خلال خطاب ألقاه نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم عبر شاشات الفيديو خلال مسيرات عاشوراء، شدد على أن الحزب “لن يُطلب منه نزع سلاحه بينما العدوان الإسرائيلي مستمر”. ورغم لهجة التحدي، يرى خشان في كلام قاسم “مرونة مقنّعة”، قد تمهّد لتسوية تحفظ ماء الوجه، وربما تشمل ضمّ جناح الحزب العسكري إلى القوات النظامية بشكل تدريجي وهادئ.
فوق الأرض، يبدو الثمن الذي دفعته بيئة الحزب واضحاً: منازل مدمرة، عائلات فقدت أبناءها، وانهيار اقتصادي يضغط على الحياة اليومية. ومع تقلص الدعم الإيراني وانشغال طهران في إعادة لملمة جراحها، يبقى الأمل الوحيد لمناصري الحزب في بنيته التحتية الاجتماعية: المدارس، المستشفيات، المساعدات، وأسواق المواد الغذائية المدعومة. لكن حتى هذه لم تعد كافية، في ظل غياب مشروع اقتصادي بديل.
ختاماً، يبدو أن “حزب الله” يمرّ في لحظة تحول تاريخية لا تقل أهمية عن لحظة تأسيسه. ليس السؤال اليوم ما إذا كان سيحارب، بل إن كان سيستطيع الاستمرار كما هو، أو سيجد نفسه مضطراً لتغيير جذري… بثمن أقلّه إسقاط سلاح، وأكثره إعادة تعريف للدور والموقع في خريطة لبنان المتبدّلة.
اقرأ أيضا: الردّ اللبناني بيد برّاك..ولبنان بين «نزع السلاح» أو العزل!

