«روسيا في عهد بوتين»: هل نصدّق اتهامات الغرب بانتهاكات الحقوق والحريات؟

بوتين روسيا

السياسة الدخلية والخارجية للرئيس فلاديمير بوتين، يُسلِّط عليها ضوءاً وافياً ، ألباحث اللبناني الدكتور في القانون الدولي والعلوم السياسية بشاره صليبا ، في كتابه الجديد، الصادر، حديثاً ، عن “دار الفارابي” في بيروت ، في طبعة أولى 2025 ، تحت عنوان : ” روسيا في عهد بوتين ( الحقوق والحرّيّات والإشكالية مع الغرب ) ” .

وهذا الكتاب الذي ترجمه إلى العربية جورج كعدي ، تتشكّل محتوياته من : “مدخل”؛ وجزءَين”؛ وخلاصة”؛ وملحق. يقول الكاتب إنّ ثمّة تحوُّلات كبرى حصلت في روسيا في عهد بوتين على مستوى الحقوق والحرّيّات ؛ وبالرّغم من ذلك ، فقد اتَّهَم الغربُ السّلطةَ الرُّوسيّة بالتّعدّي على حقوق الإنسان !

لذا ، فلقد جاء الجزء الأوّل من هذا الكتاب متمحوراً حول المسائل التالية : ” فما هي التّحوُّلات الكبرى التي حصلت في روسيا في عهد بوتين ، على مستوى الحقوق والحرّيّات؟ و”ما كان الإطار التاريخيّ؟ و”هل نستطيع وهل علينا أن نُصدِّق كلّ الإنتقادات المصوغة ضدّ السّلطة الرّوسيّة ، وبخاصّةٍ اتّهامات التّعدّي على حقوق الإنسان .”.

ويقول الكاتب إنّ ثمّة إشكاليّةً افتَعَلَها الغرب في علاقته بروسيا بوتين. لذا ، فلقد جاء الجزء الثاني من هذا الكتاب متمحوراً حول علاقة روسيا مع الغرب ، مُظهِراً مُقوِّمات العدالة الدستورية والإدارية التي نشأت في روسيا في عهد بوتين .

” فهل تتردّد روسيا بين الشرق والغرب ؟ ” أم تتردّد في أن تكون جزءاً تامّاً من الغرب؟ و” ما هو واقعها تحديداً ؟ يُكِبُّ العنوان الأوّل على هذه المسألة ولا يدَع شيئاً جانباً ( القانون ، السياسة ، المَحاكم، أوروبا ) . وأيّ تراتبيّة معايير يتبنّى القانون الرّوسيّ ؟ ” وإلى أيّ مدى هناك احترام للقانون الدوليّ وبالتالي للحقوق والحريّات ؟ ثمّ ما هو دور القاضي الإداريّ الروسيّ في حماية الحقوق والحرّيّات ؟ “.

الغرب لا يحب بوتين… لكن الروس يحبونه

هذا عن محوريّات مَتنِ هذا الكتاب وهو متنٌ تتألف محتوياته من ثمانية فصول والذي تنهضُ بَحِثيَّتُه – من ضمن ما تنهض به بأجمعها – على المرتكزات الثلاثة الآتية :

– لا يحبّ الغربُ بوتين . يتّهمه بضمّ أراضي البعض وبالتّدخّل في انتخابات البعض الآخر . لكن في روسيا ، يبقى فلاديمير بوتين رئيساً محبوباً ومدعوماً ، فهو الرجل الذي وفّرالاسقرار بعد الفوضى السياسية والإقتصادية التي سادت عقد التّسعينات ، ورمّم السلطة ودور موسكو في الميدان الدوليّ ( … ) يُحسِن بوتين مخاطبة الوجدان الروسي الجَماعي .

– يشكِّل إعلان حقوق الإنسان وحمايتها جزءاً من الأولويّات المطلقة لسياسة الإتحاد الفدرالي الروسي .تدعم روسيا حقوق الإنسان ، وينبغي بالنسبة إليها تكثيف جهود سائر الأعضاء في المجموعة الدولية . لكنّ الفكرة الروسية لا تستجيب للمعايير الأميركية والأوروبية التي تتصرف بحقوق الإنسان على هواها وكما تشاء .

– في مقالة تحت عنوان ” الديموقراطية وخاصّيّة الدولة ” يكتب بوتين في القِسم المتعلّق ب” تطوير النظام القضائيّ” : ” سنجعل العدالة في متناول المواطنين ، وسندخل في شكلٍ خاص تطبيق الإجراء الإداريّ ، ليس للأعمال فحسب ، إنّما أيضاً للدرس المحدّد للنزاعات بين المواطنين والموظفين . وتحسّباً لأن يكون تقديم الدليل على عاتق الإدارة لاعلى الخصم ، إذ تهدف ممارسة الإجراء الإداريّ أوّلاً إلى حماية حقوق المواطنين”.

ومما جاء في مدخل هذا الكتاب نُورِد الآتي : يقول الكاتب : ” أودّ البدء بالإشكالية الأساسية التي أطرحها على نفسي وهي الآتية : إلى أيّ حدٍ هي مشروعةٌ الإنتقادات المُعَبَّرعنها ضدّ السلطة الروسية والمتعلقة بنقص الحقوق والحرّيات في روسيا ضمن الفترة الزمنيّة التي هي موضوع بحثنا ؛ وإلى أيّ حدٍّ نملك حقّ تبريرممارسات هذه السلطة التي لا تفعل، وفق ما أرى ، سوى مصلحة شعبها . ألإجابة عن ذلك بطريقة واضحة ومحدّدة صعبةٌ جدّاً ، بالطبع ، حتّى بعد عملٍ بحثيّ استلزم سنوات . ذاك لأنّ ميدان الحقوق والعلوم السياسية هو ميدانٌ زَلِقٌ ، صعبُ الحصرِ وكلّ شيءٍ فيه نِسبيّ .

روسيا “تتأورب” قانونًا… وتتشبث بخصوصيتها السياسية

” عنوان الجزء الأوّل هو :” روسيا : ولادةٌ صعبة وموضوع انتقاداتٍ شرسة ” .  والجزء الثاني عنوانه : ” ألعلاقات مع الغرب ، تبدّلات ، قضاء دستوريّ وإداريّ .

ويوضح الكاتب ” أعي أنّ عنوانَي هذين الجزءَين لا يتلاءمان دوماً مع المضمون ، بيد أنّي حرصتُ على تركيز البحث في الجزء الأوّل على القانون الوضعيّ ،التّعديلات ، والنصوص، . وفي الجزء الثّاني يتركّز بحثي على القضاء الدستوريّ ، الإداريّ والدّوليّ .

ويتابع الكاتب القول : ” ألفِتُ في الفصل الأوّل إلى أنّه ينبغي لِفَهم سياسة بوتين وتموضعاته الأيديولوجية المتّصلة بالحقوق والحريّات ، ألعودة إلى التاريخ ، وإلى الدراسات الأنثروبولوجية والجيوسياسية . ” بذلت روسيا كلّ ما تستطيع للتّقرّب من الغرب ، بدءاً بالتّقرّب القانوني ( إنشاءالمحاكم الإدارية ) ، والإنفتاح على الغرب … وفي العلاقة المميزة مع الإتحاد الأوروبي .

وفي ختام مدخل الكتاب يقول المؤلِّف : ” إنّ القانون الرّوسي ” يتفرنس” و” يتأورب” . تأخذ روسيا الكثير من القانون الفرنسي ومن القانون الأوروبيّ . إذن ، روسيا تنزع نحو المزيد من الإنسانية ، والمزيد من الديموقراطية . بيد أنّني أعود دوماً إلى فكرتي الأساسية ( في هذا الكتاب)  ، التي قد تكون مزعجة للبعض ، والتي قد تُلصِق بي علامةً كما لو كنتُ شيطاناً مؤيِداً لبوتين : روسيا تنفتح ولكن مع احتفاظها باقتناعاتها الذاتيّة ، وبخصائصها . بذلك نستطيع أن نعي لماذا يُحِبُّ الشعب الروسيّ بوتين . وفي خلاصة هذا الكتاب يُشير المؤلّف قائلاً : ” يمكنني التأكيد ، في الخلاصة ، على أنّ لا شيء مؤكداً في موضوع الإشكالية التي يعالجها بحثي ، بمعنى : إلى أيّ مدى هي مشروعة الإنتقادات الموجَّهة إلى روسيا والمتعلّقة بنقص الحقوق والحُرّيّات في روسيا خلال المرحلة التي تشملها الدراسة ، وإلى أيّ مدى يحقّ لنا تبرير ممارسات النّظام الروسي الذي لا يعمل سوى مصلحة شعبه .  

اقرأ أيضا: من الرابح في حرب جبل العرب في سورية؟

السابق
الشركات المستوردة للنفط توقفت عن تسليم البنزين والمازوت..وتوضيح من وزارة المال
التالي
سلاح بلا ظهر ومقاومة بلا تمويل: هل سيدخل حزب الله مرحلة التحوّل السياسي الكامل؟