تحوّل الحديث عن الحياد في لبنان خلال العامين الأخيرين من مجرد شعار يُتداول في المحافل الدينية والسياسية، إلى فكرة تلقى رواجاً متزايداً في النقاش العام. فمع الانهيارات المتلاحقة، وتوسّع رقعة الاشتباك بين المحاور في المنطقة، عاد اللبنانيون يسألون أنفسهم: هل من سبيل للخلاص للبنان سوى بالخروج من لعبة المحاور؟ وهل يمكن للبنان، فعلاً، أن يصبح بلداً محايداً يحمي نفسه بنفسه، بدل أن يكون ورقة في يد الآخرين؟
يأمل اللبنانيون، ان يتخلص لبنان إلى الأبد من الخضوع، والتبعية، والحروب بالوكالة. فما الذي يعنيه فعلاً مشروع الحياد وما الذي يمنع تحققه؟
فهل سيفوّت اللبنانيون الفرصة التاريخية المتاحة أمامهم في هذه اللحظة الفاصلة؟
الحياد ليس شعاراً… بل مشروع دولة
ما يتداوله السياسيون ورجال الدين عن الحياد لا يكفي. لا يمكن اختصار الحياد بجملة تُطلق أو عظة تُقال. فالدول لا تُبنى على النوايا وحدها. الحياد مشروع متكامل، قانوني، أمني، اقتصادي وثقافي لاستعادة السيادة، ويتطلب وجود دولة قوية قادرة على ضبط حدودها، وصياغة سياستها الخارجية، وتوحيد قرار الحرب والسلم تحت سقف الدستور والمؤسسات.
العوائق الداخلية: بين السلاح والانقسام
ما من حياد ممكن ما دام هناك سلاح غير شرعي خارج سلطة الدولة، يجرّ البلاد إلى صراعات إقليمية دون العودة إلى مؤسساتها. وما من حياد ثابت ما دام اللبنانيون أنفسهم يختلفون على معنى الدولة، وعلى مفهوم السيادة. البعض يعتبر أن الحياد خيانة لفلسطين، والبعض الآخر يخشى أن يكون غطاءً لتطبيع مبطّن أو انسحاب من الالتزام القومي. لكن الحقيقة أن الحياد، إذا طُبق بمسؤولية، لا يلغي قضية ولا يخون شعباً، بل يحمي الوطن ويمنع تحويله إلى ساحة حرب مفتوحة.
من سيقبل بحياد لبنان؟
العقبات ليست داخلية فقط. فإيران، مثلاً، لن تتخلى بسهولة عن الورقة اللبنانية، لأنها تُعدّها جزءاً من استراتيجيتها الإقليمية للدفاع عنها. وإسرائيل لن تعترف بأي حياد ما لم يترافق مع شروطها و”أمن الحدود”. وحتى بعض العواصم الغربية والعربية، وإن أبدت دعمها، إلا أنها تنتظر من لبنان أن يقدّم نفسه كطرف موثوق، لا ككيان مفكك.
والتحدي الثقافي يضعنا امام سؤال: أي حياد نريد؟ فلا يمكن بناء حياد فعلي على أساس طائفي أو من طرف واحد. فالبعض يربط فكرة الحياد بالمسيحيين وحدهم، وكأنها مطلب تاريخي محصور بهم، وهذا يقتل المشروع. الحياد يجب أن يكون نابعاً من إجماع وطني لا من نزعة خوف أو شعور أقلوي. يجب أن يُبنى على قاعدة المواطنة، ويُترجم بإصلاحات مؤسساتية تشاركية، لا بالرهان على تدخلات خارجية.
نحن اليوم امام فرصة تاريخية: لحظة لا تتكرر. بعد زيارة الموفد الأميركي برّاك وتحركات العواصم المعنية بالوضع اللبناني، يبدو أن لبنان موضوع على الطاولة، سواء أراد ذلك أم لا. السؤال هو: من يفاوض باسمه؟ وبأي مشروع؟ الحياد لا يُفرض منه الخارج، بل يجب أن ينبع من الداخل، ويُطرح كموقف سيادي، لا كمناورة ولا كتسوية مؤقتة. الفرصة متاحة، لكن الوقت محدود.
ما يتداوله السياسيون ورجال الدين عن الحياد لا يكفي. لا يمكن اختصار الحياد بجملة تُطلق أو عظة تُقال. فالدول لا تُبنى على النوايا وحدها. الحياد مشروع متكامل، قانوني، أمني، اقتصادي وثقافي لاستعادة السيادة، ويتطلب وجود دولة قوية قادرة على ضبط حدودها، وصياغة سياستها الخارجية، وتوحيد قرار الحرب والسلم تحت سقف الدستور والمؤسسات.
الطريق الى الحياد:
“إعلان نوايا” وطني جامع، من شخصيات وجهات مؤثرة تؤمن بلبنان كدولة لا كساحة.
تثبيت مبدأ السيادة الكاملة، كشرط مسبق لأي ورشة إصلاح، ومرتبط بالقرار السياسي والعسكري.
حملة توعية وطنية – إعلامية – تربوية تُصحّح المفاهيم المغلوطة حول الحياد.
التواصل مع مرجعيات دولية لضمان الاعتراف بالحياد وضمان احترامه.
ان الالتفاف على مشروع الحياد، أو استخدامه كأداة تجميلية أو ظرفية بدل أن يكون خياراً سيادياً حقيقياً، يحمل مخاطر جمة. كأن يستخدم كغطاء لتسويات مشبوهة. او يختزل بكلام نخبوي لا يغيّر شيئاً في الواقع.
أخيرا، الحياد ليس ترفاً فكرياً، ولا أمنية حالمة، ولا مؤامرة كما يروّج البعض. إنه حق اللبنانيين في أن يعيشوا في وطن لا يأكل أبناءه، ولا يُستخدم ضدهم. إنه الطريق إلى إعادة بناء الدولة، لا على صورة الطوائف والمصالح، بل على صورة الإنسان اللبناني الذي يستحق الحياة، لا الموت المؤجَّل.
اقرأ ايضا: الحياد الإيجابي (1): درع السيادة وسبيـل الخروج من أتون الصراعات

