سورية واحدة ضمانة لبنان الكبير

حارث سليمان

سورية موحدة تحكمها الاكثرية السنية! هل هذا ممكن!؟ هل هو حق طبيعي تسلم به كل الأطراف والجهات؟،

وما هو موقف الدول في الإقليم وما هي مصالحها من خيار سورية موحدة يحكمها نظام إسلامي الوجهة؟،

وما هي طبيعة هذا النظام وتركيبته وتوازناته وخياراته في ملفات العلاقات الاقليمية والدولية؟

 وما هي تحالفاته أو عداوته التي ينخرط بصراعات حولها؟،

ثم ما هي أدواته وآليات ممارساته لسلطته في الداخل السوري وما هي طبيعة علاقاته بالجماعات السورية الدينية والاثنية؟.

عشرات الأسئلة التي تفتح الباب على تحديات جسام وملفات خطيرة تطال مستقبل سورية الجديدة، وتتأثر بها دول المحيط السوري، من تركيا الى الاردن الى اسرائيل واخيرا وخاصة لبنان!

على مدى أكثر من خمسين عاما، كان نظام الأسدين يستنزف لبنان ويبتزه، ويقامر بفلسطين ويشتت شعبها، ويعبث بالأردن ويزعزع امنه، ويرهب العراق ويتلاعب بوحدة مكوناته، ويهدد تركيا بوحدتها ويزرع الفوضى والعنف بين جماعاتها، لكنه يحفظ أمن إسرائيل وسلامة مستوطناتها

كثيرا ما تبدو الاجابة ان سورية موحدة تحكمها سلطة تنبثق من اكثريتها الطائفية العربية السنية، تبدو طبيعية وحتى بديهية!، لكن ذلك على ارض الواقع كان مستبعدا منذ عقود عديدة، ففعالية النفوذ السني في السلطة السورية، انخفضت منذ انقلاب اللجنة العسكرية في حزب البعث على السلطة، في ٨ آذار سنة ١٩٦٣، ثم تلاشت في استكمال السيطرة العلوية في ٢٣ شباط ١٩٦٦ عبر انقلاب صلاح جديد، وتم تقويتها وتمتين هذه السيطرة مع الحركة التصحيحية التي قادها حافظ أسد سنة ١٩٧٠.

إقرأ أيضا: برّاك في بيروت غداً: «الحزب» يصعد ولبنان الرسمي يناور.. وقرار أميركي حازم

منذ ذلك التاريخ كانت المشاركة السنية في السلطة السورية أما شكلية أو ثانوية، ولم تكن علمانية البعث المُشهَرَة إلاَّ سِتاراً هشاً لاستبداد اقلوي وحكمٍ اُسْرَوِّي، وقبضةٍ أمنيةٍ من حديد، وقد إستطاعَ نظامُ الأسدَين ان يستديمَ بالبطش السافر حُكمَهُ طويلاً، حين نجح بتأمين الاستقرار في الداخل السوري، والحفاظ على سوريا دولة موحدة، وبإجادَتِهِ لعبةَ التوازنات الإقليمية والتدخلِ في أزمات الجِوارِ الإقليمي ولُعْبِ أدوارٍ بها والتربح من معضلاتها.

ادَّى تمدد النفوذ الايراني في المشرق العربي الى افساد ايقاع المرجوحة الاسدية بين توازنات الاقليم واختلت حركات رقصه على حبال توازنات المنطقة، ونجح الولي الفقيه في استتباع الاسد واجباره على الانضواء في خيارات ايران

على مدى أكثر من خمسين عاما، كان نظام الأسدين يستنزف لبنان ويبتزه، ويقامر بفلسطين ويشتت شعبها، ويعبث بالأردن ويزعزع امنه، ويرهب العراق ويتلاعب بوحدة مكوناته، ويهدد تركيا بوحدتها ويزرع الفوضى والعنف بين جماعاتها، لكنه يحفظ أمن إسرائيل وسلامة مستوطناتها ويعاونها سرا في التخلص من أعدائها. ويمارس غواية أميركا ويماشيها سرا ولو مانعها علنا.

ادَّى تمدد النفوذ الايراني في المشرق العربي الى افساد ايقاع المرجوحة الاسدية بين توازنات الاقليم واختلت حركات رقصه على حبال توازنات المنطقة، ونجح الولي الفقيه في استتباع الاسد واجباره على الانضواء في خيارات ايران والذهاب الى الاستنجاد بتدخل روسي عسكري فاقم الازمة وعمم الخراب.

انهار نظام الأسدين بعد أن اصبح عبئا ثقيلا على حلفائه، وتمكنت جبهة تحرير الشام من اجتياح الخارطة السورية، بقيادة احمد الشرع بسهولة ويسر، دون مقاومة تذكر، وبشبه توافق دولي شكل إطارا اقليميا لإسقاط الأسد، وتمت ولادة سورية جديدة.

إقرأ أيضا: محام من «البيئة» يدعو إلى قتل المعارضين الشيعة.. أين نقابة المحامين؟

نجح حتى الآن الشرع وفريقه في السلطة الجديدة في التخلص من عبء إرث الإرهاب في الماضي، الذي رافق نشأته واكتمال بنيانه، كما نجح في تطبيع علاقاته مع الغرب الأوروبي في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ومع ادارة ترامب الأمريكية، واستطاع في مدة لم تتعدى الستة أشهر أن يعيد صلات سورية بالمجتمع العربي والدولي وان يرفع كافة العقوبات عنها، وأن يوثق علاقاته بدول إقليمية محورية كتركيا والسعودية وقطر والأردن والإمارات العربية. وقد استفاد الشرع من العلاقة الجيدة بين الرئيس الأميركي ترامب والرئيس التركي أردوغان، للتوصل الى تفاهمات مع جماعة قسد، تحقق بعضا من المطالب المزمنة لأكراد سورية، وتعطي تركيا ما حلمت به منذ عشرات السنوات، بتصفية النشاط العسكري لحزب العمال الكردستاني و بتسليم سلاحه، والتخلي عن الخيار العسكري، والانسحاب من جبال قنديل، وهو أمر مزدوج الأهمية لتسهيل وحدة سورية داخل حدودها بضم قسد الى قوات الدولة السورية، و بالغ الأهمية لوحدة تركيا وأمنها القومي، الذي هددته على مدى سنوات عمليات المقاومة الكردية داخل تركيا ونشاطها السياسي المعارض لتركيا  في دول أوروبا.

نجح حتى الآن الشرع وفريقه في السلطة الجديدة في التخلص من عبء إرث الإرهاب في الماضي، الذي رافق نشأته واكتمال بنيانه، كما نجح في تطبيع علاقاته مع الغرب الأوروبي في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ومع ادارة ترامب الأمريكية

 ولم يكن هذا النجاح المبهر والسريع ليحدث، لولا الدعم التركي القوي والمستمر و لولا الرعاية السعودية الكاملة في مجالات مختلفة واصعده متنوعة.

من جهة أخرى تشكل وحدة سورية بقيادة سلطة إسلامية سنية، قلقا لاسرائيل وتعارضها معارضة قوية، كما تعارضها إيران على السواء، كل لاسبابه المختلفة ومصالحه المتعارضة. فتفتيت سورية وتقسيمها وتفكيك عرى وحدتها الوطنية وإثارة التناقضات بين اقلياتها وجماعاتها الاثنية والطائفية هي سياسة اسرائيلية قديمة ومعلنة!

كما تلعب إيران واذرعتها في لبنان والعراق، دورا أساسيا في تجميع فلول النظام البائد واعادة تنشيط أنصاره، ظنا منها انه مازال ممكنا عودة عقارب الساعة الى الوراء وإسقاط سلطة الشرع، لصالح قيام كيانات انفصالية واحد علَوٌّي على الساحل السوري، وآخر كردي في شرق البلاد وشمالها، وثالث درزي في الجنوب السوري وعلى تخوم الحدود مع الكيان الصهيوني، مرة اخرى تتلاقى مصالح حكومة اليمين الاسرائيلي، باهداف ايران ولاية الفقيه وغاياتها. وتتناغم مع هذه الأهداف والغايات بعض أوساط الفيدراليين في لبنان، وبعض أيتام نظام الأسد والممانعة وجماعة حلف الأقليات، الذين يستبشرون خيرا لمقاصدهم بأن فدرلة سورية وشرذمتها ستفتح الطريق لفدرلة لبنان وتفتيته.

كما تلعب إيران واذرعتها في لبنان والعراق، دورا أساسيا في تجميع فلول النظام البائد واعادة تنشيط أنصاره، ظنا منها انه مازال ممكنا عودة عقارب الساعة الى الوراء وإسقاط سلطة الشرع

 إن تفتيت سوريا وتفكيكها سيعطي لاسرائيل فرصة اقامة كيان درزي عازل على حدودها، في حين أن قيام كيان علوي على الساحل السوري يمنح إيران رأسا ل جسر تواصل مع لبنان، يمكنها من استعادة مزايا استراتيجية عديدة كانت تمتلكها سابقا.

فهل ينجح تقاطع المصالح الايرانية والاسرائيلية في تفكيك سورية وتقاسم الحصص فيها؟.

 الأمر ليس متاحا او سهلا! لان ما يجعل خيار تفكيك سوريا صعبا وبعيد المنال أن هذا التفكيك لن يقتصر على سوريا وحدها بل إن قيام الكانتون الكردي في شرق سورية وشمالها، لو حصل، سيتولد عنه انفجار ازمة الاكراد في تركيا نفسها، وسيكون لقيام كيان علوي في الساحل السوري ارتدادات للحدث داخل الجماعات العلوية التركية، وبناء على ذلك، فإن الدفاع عن وحدة سورية هي معركة تركية بامتياز لأنها تطال الأمن القومي التركي، وهي في نفس الوقت معركة عربية بامتياز تخوضها كل دول العرب وعلى رأسهم السعودية للحفاظ على وحدة الدول الوطنية العربية. وبناء على ذلك فإن الموقف الأميركي يراعي موقفي تركيا والسعودية ودول العرب، وينحاز الى حكومة الشرع وسلطته، وهو ما عبر عنه مبعوث الرئيس الأميركي الى سورية ولبنان وسفير واشنطن في انقرة، توماس البراك بإعلانه توصل اميركا الى اتفاق لوقف إطلاق نار بين سورية واسرائيل، ودعوة الدروز والعشائر البدوية والسنة لإلقاء السلاح والاشتراك بصناعة هوية سورية موحدة.

إن تفتيت سوريا وتفكيكها سيعطي لاسرائيل فرصة اقامة كيان درزي عازل على حدودها، في حين أن قيام كيان علوي على الساحل السوري يمنح إيران رأسا ل جسر تواصل مع لبنان، يمكنها من استعادة مزايا استراتيجية عديدة كانت تمتلكها سابقا

فهل تشكل المعطيات السالفة الذكر، ضمانات كافية لاستمرار سورية موحدة، و بقيادة الأكثرية العربية السنية؟ والجواب بالطبع لا، لان وحدة سورية يتم تامينها بعلاقات اقليمية ودولية، لكن لا يمكن تحقيقها واستدامتها إلاّ بأداء سلطة داخلية منفتحة، ومشاركة واسعة وطنية من مختلف التوجهات، وآليات عمل ديمقراطية فاعلة، وهو ما فشلت في تحقيقه سلطة الشرع حتى الآن.

فقد فشلت حكومة الشرع في امتحان بناء سورية موحدة مرة اولى حين اقرت دستورا تاسيسيا يضع حكومة الشرع فوق اي نوع من أنواع المساءلة، وكان حريا بها أن تجعل الحكومة خاضعة لمساءلة مجلس تشريعي يقوم على مشاركة وطنية واسعة، حتى لو كان معينا في البداية، يمنحها الثقة و يستطيع إسقاطها.

وفشلت مرة ثانية في مواجهة فلول نظام الأسد على الساحل السوري حين ارتكبت قواتها ومسلحين من حلفائها جرائم وانتهاكات بحق مدنيين أبرياء اعترف الرئيس الشرع بحصولها، وفشلت مرة ثالثة في المواجهة التي جرت أخيرا في محافظة السويداء، فالتوحش لا يليق ب دولة، والعنف الاعمى لا يتطابق مع سيادة القانون ومعايير وحدة المجتمع والشعب،

فشلت حكومة الشرع في امتحان بناء سورية موحدة مرة اولى حين اقرت دستورا تاسيسيا يضع حكومة الشرع فوق اي نوع من أنواع المساءلة، وكان حريا بها أن تجعل الحكومة خاضعة لمساءلة مجلس تشريعي يقوم على مشاركة وطنية واسعة

 فان تكون سلطة ضامنة لسيادة سورية ووحدتها، يعني ان تضمن أمان وكرامة كل شعب سورية و كل جماعاتها، وعلى رأس هذه الجماعات الأقليات الدينية منها!.

وان تمثل سلطة حاكمة الدولة السورية وتمسك امنها وتحتكر استعمال القوة فيها بالقانون، يعني ان تتصرف أجهزتها الأمنية والمجموعات المسلحة التابعة لها تصرف جيوش الدول لا تصرف الميليشيات، ولذلك فإن اعادة بناء جيش سوري محترف ومنضبط ويلتزم القانون واجهزة أمنية دولتية السلوك والممارسة يشكل اولوية سورية ملحة.

أما جماعة الرهان على حماية من إسرائيل، فمصيرهم أن يدفعوا اثمان حماقاتهم، لان  إسرائيل تعبث بالأقليات ولا تحميها، تلك دروس الماضي وحقائق تجارب التاريخ.

إقرأ أيضا: طوم براك في بيروت.. يفقد صفة المرشد

أخيرا في لبنان، فقد آن الأوان؛ لوقفة وعي اولا، ولإطلاق مبادرة لبنانية تفتح ملفات العلاقات مع سورية ثانيا، فأما وقفة الوعي فهي ان تدرك الأطراف السياسية والطائفية كافة، بما في ذلك الأبواق التي ترجع أصداء سياسات دول خارجية، أن لبنان بلد صغير ومنهك و هو لا يحتمل الدخول بصراعات جديدة ولا بحروب مستجدة، وأن أي خراب متجدد في سورية سيتحول الى عبء ثقيل على لبنان، هذا ما أظهرته ثلاثة موجات من النزوح السوري الى لبنان، واحدة هربا من نظام الاسد، واخرى من انتصار الشرع، وثالثة من صدامات السويداء. فكفى حماقات متناسلة، فاي صراع في سورية ليس شأنا لتدخل من طرف في لبنان، هذا امر سيادي يتوجب على الدولة اللبنانية الالتزام به قولا وممارسة وإجراءات على أرض الواقع.

في لبنان، فقد آن الأوان؛ لوقفة وعي اولا، ولإطلاق مبادرة لبنانية تفتح ملفات العلاقات مع سورية ثانيا

وأما المبادرة تجاه السلطة السورية الجديدة ثانيا فهو الانكباب الواضح والملح على مسار تصحيح العلاقات السورية اللبنانية وتطوير المصالح المشتركة، والانتقال من تبادل السلبيات والنكايات إلى حل الخلافات وتفكيك الأزمات وإقامة شراكة ندية بين بلدين مستقلين، تطال كل مستوى إقتصادي وتهتم  بكل شأن سياسي.

السابق
طوم براك في بيروت.. يفقد صفة المرشد
التالي
إيران تتفق مع الترويكا الأوروبية على استئناف المحادثات النووية وسط تهديدات بـ«سناب باك»