في حوار استثنائي أجراه الصحافي علي الأمين، رئيس تحرير موقع “جنوبية”، ضمن سلسلة مقابلات منصة “نحو الدولة”، فتح العلّامة السيد علي الأمين أوراقه بجرأة ووضوح، متناولاً المسألة الشيعية في لبنان في لحظة سياسية حرجة أعقبت حرب 2024.
استهلّ المحاوِر الصحافي الامين اللقاء بقوله: “تعلمون ان العلامة السيد علي الامين هو قيمة فقهية ووطنية رجل علم واستاذ مجلّ وصاحب تجربة غنية في فهم الدين والاجتهاد الفقهي، وله مؤلفات في هذا المجال باعتباره أحد أبرز علماء الدين الشيعة على المستوى العربي، وقارب في أبحاثه عناوين عدة من كتابه في علم الأصول ودروس في علم الفقه وفي فقه الأقليات الدينية، وحول ولاية الدولة ودولة الفقيه الى خطاب الاعتدال وابحاث اخرى وكتب عدة في مجالات عدة. السيد إلى جانب كونه فقيها، كان حضوره ولا يزال فاعلا في المحطات الوطنية والسياسية منذ عقود”.
هذا اللقاء الحواري، الذي جمع بين مرجع ديني إصلاحي وصوت إعلامي نقدي من داخل البيت الشيعي، شكّل مساحة لكشف المسكوت عنه في علاقة الشيعة بالدولة، ولتفكيك سرديات السلطة باسم الطائفة، والدين باسم الولاية، والهوية باسم الصراع.
من خلال هذا الحوار، تبرز مقاربة فكرية جديدة لمسألة الطائفة والدولة، لا تستند إلى الشعارات، بل إلى نقد صادق يستند إلى التجربة والواقع، وتطرح بجرأة سؤال: من يُمثّل الشيعة اليوم؟ الطائفة..أم الحزب؟
الشيعة والدولة: علاقة تاريخية بلا عقدة
يؤكد السيد الأمين أنه، تاريخياً، لم تكن لدى الشيعة مشكلة مع الدولة، لا في العهود الإسلامية الأولى، ولا خلال الحكم العثماني، ولا حتى في بدايات دولة لبنان الكبير. الشيعة، كما يوضح، كانوا جزءاً من محيطهم، منخرطين في مجتمعاتهم ودولهم، وشركاء في البناء الوطني.
برأيه، الأزمة التي نشأت لاحقاً ليست إلا نتاج تدخل الأحزاب الطائفية والدينية – لا سيما بعد الثورة الإيرانية – التي أرادت السيطرة على القرار السياسي باسم الطائفة، مستغلة الدين كرافعة سلطوية، ما أدى إلى توتير علاقة جزء من الشيعة مع الدولة الوطنية.
النكبة الشيعية الثالثة: صراع غير متكافئ
يرى السيد الأمين أن ما جرى في الجنوب اللبناني خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في حرب 2024، شكّل “نكبة” جديدة أصابت الشيعة كما أصابت لبنان كله، ولكن المسؤولية، بحسب رأيه، لا تعود إلى خيار شيعي شعبي، بل إلى من زجّ بالطائفة في صراع غير متكافئ. ويقول بوضوح: “لا يمكن للبنان وحده أن يواجه إسرائيل، وإن أراد العرب المواجهة فنحن جزء منهم، أما أن نحارب وحدنا فهذا تكليف خارج القدرة”.
سيرة الأئمة: مشروع عدالة لا سلطة
وفي تفنيدٍ لمحاولة الأحزاب الدينية استحضار سيرة الأئمة وتاريخ كربلاء لتبرير النهج المقاوم أو السلطوي، يوضح السيد الأمين أن الأئمة لم يسعوا إلى السلطة، بل إلى نشر العدالة والمعرفة والحفاظ على وحدة الأمة. الإمام الصادق، مثلاً، لم يخرج على الدولة رغم الظلم، بل انشغل ببناء مدرسة العلم والانفتاح.
يرى السيد الأمين أن استدعاء كربلاء اليوم بشكل سياسي مشوّه أدى إلى تحويل عاشوراء من مدرسة فكرية جامعة إلى أداة حزبية تقسيمية، ويأسف لأن المجالس الحسينية التي كانت تحتضن الجميع باتت اليوم “محميات حزبية”.
ولاية الفقيه: سلطة داخل حدودها لا خارجها
في مداخلة لافتة، يميّز السيد الأمين بين المرجعية الدينية والولاية السياسية، موضحاً أن التقليد الفقهي لا يعني تسليم القرار السياسي للمرجع. ففقهاء الشيعة عبر التاريخ كانوا مرجعيات فكرية، لا سلطوية، ولم يقرروا مصير المجتمعات ولا خاضوا في من يحكم أو يُنتخب.
ينتقد بوضوح مبدأ “الولاية العابرة للحدود”، سائلاً: “كيف يمكن لمن انتُخب في أصفهان أن يصبح ممثلاً لي في لبنان؟”، مشدداً على أن ولاية الفقيه، حتى وفق المنطق الفقهي، لا تسري خارج حدود الدولة التي أعطت هذا الفقيه شرعيته. ويعتبر أن هذه النظرية استُخدمت لتقييد المعارضين وربط الدين بالسلطة.
“الأئمة لم يسعوا إلى السلطة، بل إلى نشر العدالة والمعرفة والحفاظ على وحدة الأمة. الإمام الصادق، مثلاً، لم يخرج على الدولة رغم الظلم، بل انشغل ببناء مدرسة العلم والانفتاح”
العودة إلى الدولة… والناس هم الحل
يشدّد السيد الأمين على ضرورة العودة إلى الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في القرارات السيادية، منبهاً إلى أن استمرار تغييب الدولة، وإدخال الطائفة في صراعات غير متكافئة، سيقود إلى نكبات متكررة. ويحمّل القيادات الطائفية والحزبية المسؤولية عما جرى، داعياً إلى أن يعلو صوت الناس، وخصوصاً المتضررين، برفض هذا النهج السياسي الذي أنتج الموت والخراب والتهجير.
ويقول: “يجب على الناس أن يقولوا كفى. لا يجوز أن تستمر القيادة الحالية بإدخال الطائفة والبلد في مواجهات لا قدرة لهما على تحمّلها. من لم يتعلم من تجارب 2006 وما قبلها، سيتكرّر عليه الألم نفسه”.
من الانتماء الطائفي إلى الانتماء الوطني
في رده على سؤال حول توصيف الانتماء الشيعي، يصرّ السيد الأمين على أن الطائفة الشيعية ليست جسداً واحداً كما تحاول الأحزاب أن تصوّرها. فالشيعة في لبنان هم جماعة متنوعة: متدينون وغير متدينين، حزبيون ومستقلون، وكل منهم يعيش انتماءه الشيعي بطريقته. غير أن هذا الانتماء، يؤكد، لم يكن يوماً عائقاً أمام الانتماء للوطن.
ويضيف: “قبل ولادة الأحزاب الدينية، كان الشيعة في مختلف الأحزاب والتيارات، ولم يكن هناك أي تعارض بين شيعيته ولبنانيته”. ما حدث هو أن الأحزاب ذات المرجعية الإيرانية دفعت باتجاه خلق إشكالية مصطنعة بين المذهب والدولة، بهدف بناء سلطة مستقلة داخل الطائفة.
نحو صوت العقل… وإعادة المعنى للدين
ينتهي السيد الأمين إلى دعوة صريحة للعودة إلى صوت العقل، مستشهداً بقوله: “الأمة التي لا تتعلم من تجاربها تكرر مآسيها”. وهو يعتقد أن الطريق نحو الخلاص يبدأ من العقلاء والنخب والمثقفين داخل الطائفة، رغم الإقصاء الذي يتعرضون له. ويقول: “المطلوب هو صبر العقلاء ومثابرتهم، فبهم وحدهم يمكن استعادة مشروع الدولة، بعيداً عن الوساطات الحزبية والزعامات الطائفية”.
وفي ختام المقابلة، يترك السيد الأمين دعوة مفتوحة للعودة إلى الإسلام كما عاشه الأئمة، بعيداً عن السيوف المرفوعة والشعارات الجوفاء، حيث الدين هداية، لا سلطة، وحيث كربلاء تذكير بمأساة من أجل تجنّب الظلم، لا تكراره.
“يجب على الناس أن يقولوا كفى. لا يجوز أن تستمر القيادة الحالية بإدخال الطائفة والبلد في مواجهات لا قدرة لهما على تحمّلها. من لم يتعلم من تجارب 2006 وما قبلها، سيتكرّر عليه الألم نفسه”.
والخلاصة، ان هذا الحوار يمثل قراءة نقدية عميقة للمشهد الشيعي في لبنان، من مرجع ديني يحمل تجربة فكرية ووطنية واسعة. وهو يطرح بوضوح أن أزمة الشيعة في لبنان اليوم ليست أزمة وجود، بل أزمة تمثيل، وأن ما يُنسب إلى الطائفة في الصراع مع الدولة ليس إلا فعلاً سياسياً لأحزاب تريد فرض مشروع خارجي على حساب الناس والبلد. العودة إلى الدولة والعيش المشترك هي، في رأيه، الخيار الوحيد للنجاة.
اقرأ أيضا: برّاك يُصعّد الضغط: نزع سلاح الحزب أو العودة إلى «بلاد الشام»!

