لمن الاعتذار سيدي الرئيس؟

حارث سليمان
ما هو غريب حقا، هو أن يذهب مسعود بوزكشيان الى الاعلام الاميركي للتبرؤ من شعار "الموت لأميركا"، رغم أن هذا الشعار لم يحمل موتا حقيقيا لجنود أميركا ولجنرلاتها، إنما حمل موتا كبيرا وخرابا عميما في كل منطقة الشرق الأوسط.

لم يعد ” الموت لاميركا ” يعني موتا لجيوش اميركا، او لافراد قواتها المسلحة المنتشرة في كل اصقاع الارض، بل لم يعد هذا الموت يطال ادارة الدولة  الأميركية ومسؤوليها ووزرائها، ولا حتى الرئيس ترامب الذي أمر، في ولايته الاولى باغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني الجنرال قاسم سليماني،  ثم أمر طائراته المرعبة بتدمير منشآت إيران النووية في فوردو واصفهان و ناطنز.

لم يعد “الموت لاميركا” هدفا، او مطلبا أو سعيا او امنية او حتى دعاءً ايرانياً، هذا ما أعلنه رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية، مسعود بوزكشيان جهارا نهارا وبالفم الملآن.

النفاق الإيراني خبرناه وعرفناه، وقمنا بما استطعنا، لتعريته وكشف أخطاره.

 ما هو غريب حقا، هو أن يذهب مسعود بوزكشيان الى الاعلام الاميركي للتبرؤ من شعار “الموت لأميركا”

لا استنكار ولا رفض مني لكلام رئيس جمهورية إيران، فالشعار بالنسبة لي لم يكن إلا كلاما أجوفا، يبرر فكرة القطيعة مع بقية العالم وزعيمته الكبرى أمريكا، ويدعي لنفسه دورا محوريا في مواجهة غير متكافئة، متخيلة وافتراضية، تتلبس بالعقيدة الدينية، لكنها بعيدة عن واقع موازين القوى الدولية، والشعار الإيراني الذي كان يزعم لنفسه ولايران الانخراط وقيادة مواجهة بين محور عربي وإسلامي مؤمن يسعى لمرضاة الله، ضد عالم غربي ملحد وكافر تقوده اميركا، قد افتضح زيفه تماما ومنذ زمن بعيد،  فالشعار هذا، لم تبالِ به كثيرا أميركا، ولم يمنعها من التنسيق مع رافعيه حيث دعتها حاجتها اليه، في العراق وافغانستان وسورية، وهو شعار ضجيجه في الخارج، لكن وجهته الفعلية والحقيقية كانت موجهة للداخل، لإخضاع شعوب ايران اولا لسلطة رجال الدين، ثم لاستدراج شعوب العرب واغوائهم بشعارات براقة، وزعزعة دولهم، والحاقها بنفوذ موالي طهران ومرشدها.

لم يعد “الموت لاميركا” هدفا، او مطلبا أو سعيا او امنية او حتى دعاءً ايرانياً، هذا ما أعلنه رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية، مسعود بوزكشيان جهارا نهارا وبالفم الملآن

لا اعتراض ولا دهشة من ذلك، فالرئيس نفسه أفصح عن الاخوة الاميركية الايرانية توازيا مع المقتلة التي ارتكبتها اسرائيل في حق شيعة لبنان واولياء المرشد وجنوده العاشقين لعقيدته وهدايته في لبنان!.

والموت هذا لاميركا، كان مقرونا بدرجة أقل ب ” موت لاسرائيل”، ولعل التخفف من حمل شعار الموت الأول سيعني بالضرورة تخففا من شعار الموت الثاني، ولو على حساب الابادة الجماعية التي تمارسها اسرائيل بوحشية لا سابق لها في التاريخ ضد ابناء الشعب الفلسطيني في غزة. 

الخطاب الإيراني على المستوى الاستراتيجي هذا، جرت صياغته مترافقا مع تأويل مستجد للمذهب الشيعي الذي أسسه تاريخيا الإمام جعفر الصادق  وبنظرة مغايرة، وتعريف مختلف قام الخميني بتغيير طبيعة الامام المهدي ودوره، وهو الإمام الثاني عشر الغائب والمنتظر للطائفة الشيعية، لم يكتف الامام الخميني بهذا القدر من تحريف المذهب الشيعي واستغلاله بسياساته ، على حد قول مرجع ديني شيعي كبير، بل جعل مرشد ايران نائبا للمهدي، له من السلطات والطاعات ما كان للنبي في زمانه، فأقام بذلك حكم بابوية شيعية في الشرق، بعد خمسة قرون من أفول حكم البابوية الكاثوليكية في أوروبا. مع ولاية الفقيه لم يعد اتباعها الشيعة، ينتظرون عمليا، مهديهم بوجود من ينوب عنه، ولم يعودوا يفتقدون غيابه بوجود من يملأ فراغ غيابه، رغم تردادهم لغوا عجل الله فرجه.

وكان الأجدر بالرئيس الايراني ان يوجه اعتذارا تلو آخر؛ حيث كان الموت حقيقيا مستمرا و فادحا، اولا لغزة على إبتلائها بكارثة صنعتها خيارات إيران، وثانيا لشيعة لبنان الذين حولتهم إيران الى جماعة معزولة ومجروحة، تحل بها الحروب والآلام

الافدح خسارة في كوارث مشروع ولاية الفقيه أنه تأسس على حامل اجتماعي يرتكز على أبناء الطوائف الشيعية في دول المشرق العربي واليمن السعيد، وتمدد ليحاكي ويوالف حساسيات الاقليات الاخرى ونزعاتهم ومخاوفهم، وهو فيما كان يزعم لنفسه توحيد الامة في محور ممانعة تحت قيادته لمواجهة الغرب، كان يمزق الأمة ويشرذم مجتمعاتها و يفكِّك عرى وحدتها، وبدل ان يكون احياء ذكرى عاشوراء مناسبة لتكريس مقولة الامام الحسين ؛ “ما خرجت أشِراً ولا بَطِراً وانما للاصلاح في امة جدي” اصبحت المناسبة اداة تحريض على الاخر المسلم بعد نعته بابناء يزيد.
ولذلك كانت قضية فلسطين تتراجع وتزداد عذابات شعبها، كلما تقدم المشروع الإيراني ونجح في توسيع نفوذه.

 لاغرابة بذلك أيضا، فالنفاق الإيراني خبرناه وعرفناه، وقمنا بما استطعنا، لتعريته وكشف أخطاره.
 ما هو غريب حقا، هو أن يذهب مسعود بوزكشيان الى الاعلام الاميركي للتبرؤ من شعار “الموت لأميركا”، رغم أن هذا الشعار لم يحمل موتا حقيقيا لجنود أميركا ولجنرلاتها، إنما حمل موتا كبيرا وخرابا عميما في كل منطقة الشرق الأوسط.

إقرأ أيضا: إيران وباكستان(1): تعاون الضرورة في زمن التحولات الكبرى

 من العراق الى سورية الى اليمن، ثم فلسطين وغزة ولبنان، لم يكن نتيجة هذا الزعم بقتال اميركا وازالة اسرائيل والسعي لهزيمتها، الا موتا ودمارا لكل من خدع بالشعارات، وأخذ عنتريات ايران وتهديداتها على محمل الجدية والحقيقة، فعلى مدى ٤٦ عاما من الصراخ الموت لاميركا، والموت لاسرائيل،دامت معركة ايران مع اسرائيل ١٢ يوما ومع أميركا ليلة صيف واحدة. 

 وكان الأجدر بالرئيس الايراني ان يوجه اعتذارا تلو آخر؛ حيث كان الموت حقيقيا مستمرا و فادحا، اولا لغزة على إبتلائها بكارثة صنعتها خيارات إيران، وثانيا لشيعة لبنان الذين حولتهم إيران الى جماعة معزولة ومجروحة، تحل بها الحروب والآلام، وتتحمل عن إيران الملامةعن وزر سياساتها ومغامراتها وخطاياها.

ثمة فارق بين حاملي القضايا واصحابها وبين الأبواق التي تؤجر أصواتها لمشغليها؛ أصحاب القضايا يبحثون عن حقائق الواقع وثغراته، ويفتشون عن حل لها، يعترفون بالصعاب والمعوقات ويجهدون لتجاوزها، أما الأبواق فدأبها مزايدات و عنتريات فارغة المضمون و مجافية للواقع والحقيقة. 

الحقائق كانت ظاهرة لكل متبصر بموازين القوى،  ونتائج المواجهة كانت معروفة مسبقا، وخبراء الحروب من كل الأطراف ومعاهد الدراسات وهيئات الأركان في الجيوش الاساسية في العالم،  كانت قناعاتهم و استنتاجاتهم تذهب الى توقع ما حدث.

وحدها الايديولوجية الغيبية الايرانية وخرافات الروايات كانت تزعم نتائج مغايرة، وانتصارات موعودة وقريبة، ولم تجدي في المواجهة، مئات محطات التلفزة التي مولتها إيران خلال عقود ماضية، إلا في خداع البسطاء ودغدغة عواطفهم الساذجة لجرهم إلى المقتلة.

السابق
هل تقوم السعودية بدور الوسيط بين واشنطن وطهران؟.. الصحف الإيرانية: الصين شريك استراتيجي «غير موثوق»
التالي
بالفيديو: اغتيال محمد جمال مراد باستهداف دراجة نارية في المنصوري جنوب لبنان