في ظل الحرب المستمرة مع إسرائيل، تعود الأسئلة الكبرى لتطفو على السطح في البيئة الشيعية اللبنانية، حيث تتقاطع السياسة بالمقدّس، والحزن بالتعبئة، والمقاومة بالتشظّي الداخلي. في قلب هذه المعادلة التاريخية المعقدة، تقف عاشوراء، الحدث الشعائري الأكثر تعبيراً عن الهوية الشيعية، بوصفه مرآة تعكس كيف تتداخل الذاكرة الدينية مع السلوك الاجتماعي والسياسي.
عاشوراء: بين المعنى والطقس
عاشوراء ليست مجرد استذكار لمقتل الإمام الحسين، بل هي لحظة رمزية عميقة تعبّر عن انتصار الدم على السيف، والحق على الباطل. في هذه الطقوس، يُحتفى بالحزن كشكل من أشكال القوة، وكأنّ الألم هو طريق الخلاص والمشروعية الأخلاقية. لكن، هل يمكن أن يتحوّل تعظيم الحزن إلى سلوك جماعي يُعيق طرح الأسئلة؟ هل يمكن أن تصبح الطقوس، عن غير قصد، أداة لتجميد الوعي النقدي تجاه الفساد وسوء الإدارة داخل الأحزاب الشيعية نفسها؟
يُعاد في كل عام سرد التفاصيل الدقيقة لمشهد مقتل الحسين: وقع الخيل على صدره، السهم الذي لامس شفتَيه، والجسد المسجّى بلا دفن. يُكرَّر ذلك ليس فقط كاستعادة تاريخية بل كنوع من الانغماس في الألم. لكن، هل الحسين هو الجسد الممزق فقط؟ أم أنه فكرة، وقيمة، وصفة؟ أين تتجلّى هذه الصفات اليوم في خضم الحروب والانهيارات المتعددة؟ وهل فعلاً من يخطب باسم الحسين يمارس سلوك الحسين؟
الطقوس الدينية كأداة تعبئة أم تسكين؟
من اللافت أن ثقافة الحزن في المجتمع الشيعي، إذا ما أُفرِط في استخدامها، قد تُستخدم، ولو عن غير قصد، كستار يُغطي على الفشل السياسي والاجتماعي. فحين يطغى الحزن الجمعي، تُغيب الأسئلة الكبرى: أين الشفافية؟ أين المحاسبة؟ هل مقاومة إسرائيل تُبرر إهمال الداخل، من بنية تحتية منهارة إلى فرص ضائعة، إلى فساد متجذّر؟
إن العزف المتكرّر على وتر المظلومية، من قِبَل بعض السياسيين الشيعة (كما هو الحال في سائر الطوائف اللبنانية)، قد يخلق بيئة تُعلي الانتماء الطائفي على المبادئ. وهنا، يصبح الحسين “رايةً” تُرفع في وجه الخصوم، بدل أن يكون بوصلة تُوجّه السلوك الأخلاقي والسياسي.
منطق الأولوية: هل المقاومة تبرّر غياب الإصلاح؟
السؤال المحوري هنا: هل إصلاح الداخل والانخراط في مقاومة الاحتلال ملفان منفصلان؟ أم أن نجاح المقاومة في مواجهة إسرائيل يرتبط بشكل عضوي بوجود نظام داخلي نزيه، قوي، وعادل؟
في ظلّ القصف الإسرائيلي اليومي العنيف، تبرز حالة من التجمّد التقني التي تواجهها المقاومة المسلحة؛ إذ رغم استمرارها حتى اللحظة الأخيرة قبل الهدنة المعلنة، إلا أن القدرة على الردّ باتت محدودة بفعل التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي للمحور الأميركي-الإسرائيلي. لا يعني ذلك فشلًا عسكريًا كاملًا، بل يشير إلى لحظة حرجة تتطلّب قراءة واقعية وشجاعة لما يفرضه هذا التفوق من تحديات. ففي وجه هذه الهيمنة الأميركية الكاسحة، سياسيًا وتقنيًا، تظهر فجوة ضخمة لم تتمكن تحالفات “الممانعة” من سدّها أو حتى ملامسة سقفها. أما الدعوات التي يطلقها خصوم “حزب الله” من الداخل والخارج باسم “السيادة” أو “الحياد”، فهي بالنسبة لكثيرين، خصوصًا في الجنوب، لا تُفهم إلا كدعوة إلى استسلام كامل. في هذا السياق، تعود الذاكرة إلى عام 1982، حين واجهت الجنوبيات الاجتياح الإسرائيلي بزيت القلي المغلي، وبشجاعة لم تنتظر دعمًا عسكريًا ولا خطابًا سياسيًا، بل انبثقت من بداهة أخلاقية في مقاومة الظلم.
أي مقاومة نريد؟
فهل يمكن اليوم التفكير بمقاومة من نوع جديد — مقاومة تتجاوز الانقسامات الدينية، وتكفر بحكاية الدبلوماسية الفاشلة داخل نظام عالمي غير عادل وظالم بطبيعته، مقاومة تربط بين الكرامة، والعدالة الاجتماعية، والسيادة الحقيقية؟
التضامن مع أهالي الجنوب، مع المصابين وأُسَر الشهداء، هو واجب أخلاقي لا خلاف عليه. لكن التشخيص السليم لا يقل أهمية. نحن أمام واقع إعلامي مغلق، حيث تُتخذ القرارات خلف الأبواب الموصدة، بلا شفافية أو نقاش عام. كيف نُحاسب، أو نفهم، أو ندعم، إذا لم نعرف شيئاً عمّا يجري؟
رغم هذا، فإن التضامن الشعبي الذي ظهر خلال الحرب الأخيرة، وتخطّى الحدود الطائفية والمناطقية، هو بارقة أمل. التمسّك بهذه اللحظة الجامعة هو ضرورة قصوى، لا مجرد خيار.
نهاية مفتوحة على الأسئلة
هل يمكن إنتاج رؤية سياسية واجتماعية تتجاوز الانقسامات الدينية والطائفية؟ هل يمكن إعادة تعريف المقاومة، لا فقط كسلاح، بل كمنظومة قيم وعدالة وكرامة؟
هذه المقالة لا تقدّم أجوبة نهائية. بل تطرح أسئلة تُلحّ على من يكتبها كما على من يقرأها. ففي زمن تتكاثر فيه السرديات، وتضيع فيه الحقائق، يصبح السؤال الحقيقي هو شكل من أشكال المقاومة. نحن لا نملك ترف تجاهل الواقع. بين الحسين كرمز، ولبنان كجسد يُطعن كل يوم، هناك مسؤولية أخلاقية في التفكير، في التشخيص، وفي الحلم بما هو أكثر عدلاً وكرامة وحرية.
اقرا ايضا: هل بدأت الاستجابة لورقة «باراك»؟ حزب الله نحو هيكلية جديدة وإلغاء «وحدة وفيق صفا»!

