شبعا: المزارع المعلقة بين الخرائط والسلاح

في زاوية قصية من الخريطة اللبنانية، بين قمم جبل الشيخ التي تلامس السماء، وسفوح الجولان التي تئن تحت الاحتلال، تقع مزارع شبعا. قطعة أرض صغيرة، لكنها محملة بكل الأثقال: الجغرافيا، السياسة، والدم.

مزارع شبعا ليست مجرد أرض متنازع عليها. هي اختصار حي لفشل الحدود في أن ترسم، ولفشل الدولة في أن تحكم. وهي أيضا الذريعة التي يرفعها البعض لتبرير استمرار سلاحهم، بذريعة “المقاومة”، بينما تغيب الدولة عن الواجهة.

مبادرات دولية.. وخرائط ضائعة

كل المبادرات الدولية التي قادتها الدبلوماسية الاميركية سابقا، وما زالت حاليا حاضرة مع زيارة الموفد الاميركي توم باراك اليوم، تطالب بترسيم كامل للحدود، بما فيها مزارع شبعا، شرط أن يثبت لبنان قانونيًا أنها له، ما يؤدي لاحقًا إلى انسحاب إسرائيلي كامل، وحصر السلاح بيد الدولة، وتوسيع سلطة الجيش جنوب الليطاني.

هذه المطالب تصطدم بمعوقات لبنانية – سورية – داخلية، أبرزها:

غياب الترسيم اللبناني – السوري الرسمي.

موقف حزب الله الرافض للانسحاب دون حل شامل للصراع.

التنازع الداخلي اللبناني حول مفهوم السيادة والدفاع.

حين انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000، تنفس اللبنانيون الصعداء. لكن سرعان ما جاءهم الرد من الأمم المتحدة: “إسرائيل التزمت بالقرار 425، ومزارع شبعا ليست ضمن الأراضي اللبنانية، بحسب الوثائق الرسمية المتوفرة لدينا.”

لبنان اعترض. وسوريا أيدت – نظريا – لكنه تأييد بلا أوراق. لا خرائط، لا وثائق، لا توقيع رسمي. فقط كلمات عابرة في بيانات سياسية. أما الأمم المتحدة، فهي لا تعمل بالنيات، بل بالخرائط.

في تقريرها، تقول الأمم المتحدة صراحة: “لا توجد وثائق من سوريا تؤكد أن شبعا نقلت إلى السيادة اللبنانية”. وهذا يكفي لإبقاء المزارع معلقة، أرضا سورية محتلة، لا لبنانية محتلة.

الدبلوماسي السابق في الأمم المتحدة، رئيس مجلس الوزراء اللبناني الحالي نواف سلام، قال في مقابلة سابقة مع “الشرق الأوسط”:

 “لم تسلم سوريا أي وثيقة رسمية إلى الأمم المتحدة بشأن لبنانية مزارع شبعا، مما أضعف الموقف اللبناني أمام المجتمع الدولي.”

ويضيف سلام:

 “القانون الدولي لا يعترف بالتصريحات السياسية، بل بالوثائق الرسمية المودعة.”

يقول الباحث السوري المعارض ميشيل كيلو في مقابلة منشورة عام 2004:

 “النظام السوري يمسك بورقة مزارع شبعا كجزء من لعبته الإقليمية. الاعتراف الشفهي ليس التزاما قانونيا. لم ولن يوقعوا أي شيء يفقدهم نفوذهم في لبنان.”

حتى بعد سقوط نظام البعث، نظام الشرع يتبع السياسة عينها، لم و لن يقدم اي وثيقة للاعلان على لبنانية المزارع.

حين يغيب القلم… تبقى البندقية

لم تكن المشكلة فقط في الاحتلال، بل في غياب ترسيم رسمي للحدود بين لبنان وسوريا. وكأن شبعا ليست فقط “مزارع”، بل مرآة تعكس علاقة ملتبسة بين بلدين، أحدهما لا يزال يتصرف كأنه يملك الآخر.

حتى اليوم، ترفض دمشق التوقيع على اتفاق يثبت لبنانية المزارع. تصر على التأييد الكلامي، لكنها لا تضع ختم الدولة ولا توقيع الدولة. وهكذا، تبقى القضية مجرد شعار.

سلاح المقاومة… أم سلاح الورقة؟

منذ العام 2000، رفع حزب الله لواء مزارع شبعا كعنوان للمقاومة المستمرة. لكن السؤال الذي لم يغب يوما: هل فعلا شبعا هي الهدف؟ أم أصبحت مجرد ورقة بيد الحزب، يستخدمها حين يشاء، ويلوح بها حين يضيق عليه الداخل أو يتوتر الخارج؟

في الواقع، لم يحرر شبرا من شبعا منذ ذلك التاريخ. لا بل بقيت المزارع مجمدة، كما لو أن أطراف النزاع ارتاحوا إلى هذه الحالة: لا تسوية، لا حرب شاملة، لا وضوح… فقط ذريعة.

هل يمكن أن نستعيدها؟ نعم… ولكن

استعادة شبعا ممكنة، لكنها تمر عبر طريق طويل ووعر:

1. ترسيم رسمي للحدود مع سوريا، بموجب اتفاق موثق وموقع، لا مجرد كلام سياسي.

2. إعداد ملف قانوني متكامل، يتضمن خرائط فرنسية، عثمانية، وسورية قديمة تثبت لبنانية المزارع.

3. إيداع الملف في الأمم المتحدة، والمطالبة بتعديل الخط الأزرق.

4. التحرك القانوني الدولي، لكن هذا يتطلب قبول إسرائيل وسوريا ولبنان… وهذا شبه مستحيل دون ضغط دولي فعلي.

الخلاصة المريرة، هي ان مزارع شبعا ليست مجرد أرض. هي خلاصة أزمة وطن لا يرسم حدوده، ولا يحسم خياراته، ولا يمسك قراره.

في زمن الحرب، كانت البندقية تتقدم على الكلمة. لكن في زمن الدولة، يجب أن يكون القلم هو من يرسم حدود السيادة، لا فوهة السلاح.

اقرا ايضا: هذه هي بنود الرد اللبناني على «الورقة الاميركية»

السابق
طقس صيفي مستقر يسيطر على لبنان
التالي
13 شهيدا في غزة منذ فجر اليوم.. استئناف محادثات وقف إطلاق النار في الدوحة