في لحظة مفصلية من تاريخ المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران على أرض لبنان، عاد الملف الأكثر حساسية إلى الواجهة: سلاح حزب الله. فبحسب ما أفادت وكالة “رويترز” نقلاً عن مصدرين مطلعين، يعمل المسؤولون اللبنانيون على إعداد رد رسمي على ورقة قدمها المبعوث الأميركي توم باراك، وتتضمن خطة تقضي بتخلي حزب الله عن سلاحه في جميع الأراضي اللبنانية بحلول نهاية عام 2025، مقابل وقف إسرائيل لعملياتها العسكرية.
تأتي هذه الخطة في أعقاب اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران الذي أُبرم بوساطة أميركية – قطرية، وأُعلن عنه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي عاد ليؤكد لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن عليه إنهاء الحرب نهائيًا في غزة والانسحاب الكامل من لبنان، مقابل ضمانة إيرانية بتطبيق حزب الله لقرار مجلس الأمن 1701، أي حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية والجيش.
ورقة أميركية… برعاية إيرانية؟
المفارقة اللافتة في هذه المرحلة تكمن في أن الضغط على “حزب الله” للتخلي عن سلاحه لا يأتي فقط من خصومه الداخليين أو من إسرائيل والغرب، بل بات جزءًا من مفاوضات إقليمية ودولية مع طهران. إذ تشير المعلومات الخاصة بموقع “جنوبية” نقلا عن مقربين من الحزب، إلى أن إيران، في إطار سعيها لتثبيت وقف النار وضمانات أمنية متبادلة، قبلت بلعب دور الضامن لتنفيذ الحزب القرار 1701، ما يفتح الباب أمام مقاربة جديدة للملف كانت مستحيلة سابقًا.
لكن، في المقابل، وحتى حصول حزب الله على ضمانات صريحة تتعلّق بأمنه ومؤسساته ومستقبله السياسي، يبدو الحزب أكثر تصلّبًا، أقله علنًا، حيث تؤكد مصادره تمسّكه بحق الردع طالما هناك احتلال إسرائيلي لأي شبر من الأراضي اللبنانية، وخاصة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، والمواقع الخمس المستحدثة، وهذا ما يضع الحكومة اللبنانية أمام معادلة صعبة: كيف تقدم ردًا رسميًا متوازنًا يراعي تطلعات المجتمع الدولي وواشنطن دون موافقة الحزب؟
رئيس الحكومة نواف سلام يقود حاليًا مشاورات دقيقة مع رئيسي الجمهورية والبرلمان، محاولًا صياغة موقف يستند إلى مرجعيات ثلاث: اتفاق الطائف، القرار 1701، والبيان الوزاري، من دون إحداث صدام مباشر مع “حزب الله”. لكن الحسابات السياسية تبقى معقدة، خاصة في ظل غياب إجماع وطني على مسألة السلاح، والانقسام الحاد حول أولويات المرحلة المقبلة.
في المقابل، تعتبر بعض القوى السيادية أن الفرصة مواتية أكثر من أي وقت مضى لفرض واقع جديد على “الحزب”، خاصة بعد تهالك البيئة الإقليمية الحاضنة له، وتراجع قدرته على فرض معادلات بالقوة في ظل الضغط الإيراني نحو التهدئة.
هل دخل لبنان في مسار نزع السلاح؟
الجواب لا يزال معلقًا. صحيح أن الضغوط تتزايد، لكن لبنان بلد “الربط والنفي”: كل الأطراف تقول شيئًا وتفعل نقيضه. لذا، فإن مصير ورقة باراك سيتحدد في ضوء تفاعل ثلاثة مسارات:
الاستجابة الإيرانية الفعلية لما تلتزم به في العلن حول الملف اللبناني.
القبول الإسرائيلي بالانسحاب من لبنان بالكامل، وهو أمر مشكوك فيه في ظل تعقيد ملف شبعا ورفض الترسيم مع سوريا حتى الآن.
مدى قدرة الدولة اللبنانية على احتواء الحزب أو التفاوض معه ضمن صيغة تدريجية تحفظ التوازن الداخلي.
بالخلاصة، فإن ورقة باراك ليست مجرد وثيقة تفاوضية، بل اختبار سياسي لبنية النظام اللبناني نفسه، ولقدرته على اتخاذ قرارات سيادية وسط شبكة من المصالح والتناقضات. والسؤال الجوهري يبقى: هل نحن أمام بداية مسار طويل لتفكيك السلاح أم أمام مناورة دبلوماسية جديدة في بازار الشرق الأوسط؟ الأيام المقبلة وحدها تحمل الجواب.
إقرأ أيضا: هل الملائكة أيضًا مقاومة؟

