لا جديد في أن يسكن الوهم عقول قادة “حزب الله”، لكن أن يُستدعى “سلاح الملائكة” إلى المعركة، فتلك قفزة في الضلال، لا في الإيمان.
نائب الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، خرج ليبشّرنا بأنّ الملائكة تقاتل معنا. هكذا ببساطة. لا يحتاج الأمر إلى وثيقة أو دليل، ولا إلى تسجيل فيديو، ولا حتى إلى منامات. هي مسلّمة إلهية صادرة عن “مركز التوجيه الإلهي” في الضاحية، ويجب أن نصدّق. من لم يؤمن بها، فهو عميل أو متآمر أو متآمر عميل.
إذا كانت الملائكة تقاتل فعلًا مع الحزب، فلِمَ كلّ هذا الموت في صفوف شبابه؟ ولماذا يعود مقاتلوه في صناديق، وأحيانًا بلا صناديق؟ إذا كانت السماء معهم، فكيف لم تسعفهم أمام طائرات F-16 في غزة، ولا أمام “السلاح الدقيق” في سوريا، ولا أمام العدو نفسه في عمليات نوعية اخترقت العمق الجنوبي؟ هل كانت الملائكة في استراحة؟ أم أن وظيفتها محصورة في تصوير “تيك توك” معنوي لأتباع الحزب؟
هل قتال الملائكة من الدين في شيء؟
الملائكة عند نعيم قاسم ليست جزءًا من العقيدة الدينية، بل من العقيدة التعبوية. يُستدعون لا ليرفعوا إيمانًا، بل ليغطّوا هزيمة. يُستحضرون حين تنكشف الأرض ويهتزّ الناس، لا حين تنتصر المقاومة بحق. تمامًا كما فعلت “داعش” حين زعمت أن الملائكة معها في الرقة والموصل.
نعم، إنّها الديماغوجيا الشيعية بلباسها الأنيق، وخطابها المعسول، ومفرداتها “الوطنية” التي تخفي تحته مشروعًا إلهيًا فوق وطني، لا يعترف بدولة ولا بشعب ولا بسيادة. مشروع إلهي يبدأ من الضاحية ولا ينتهي إلا عند قبر الحسين في كربلاء… مرورًا بقم، وصعدة، ودمشق، وصنعاء، وغزة.
دعونا نطرح السؤال الأخلاقي قبل السياسي: أيّ ملائكة تسمح بقتل أطفال النبطية وعيتا الشعب؟
نعم، إنّها الديماغوجيا الشيعية بلباسها الأنيق، وخطابها المعسول، ومفرداتها “الوطنية” التي تخفي تحته مشروعًا إلهيًا فوق وطني، لا يعترف بدولة ولا بشعب ولا بسيادة.
ثمّ أيّ ملائكة تلك التي تسكت عن قتل المعارضين؟ عن نحر السوريين؟ عن تفجير بيروت؟ عن تخزين الموت في الضاحية؟ عن إذلال اللبنانيين في طوابير الذل؟ أم أن هؤلاء “ليسوا من المؤمنين”، فلا تنزل لهم الملائكة ولا تستحقّ أرواحهم عطفًا سماويًا؟
آخر أدوات الطغاة: الأوهام
في زمن الحرب، تستدعي الأنظمة المأزومة خطابات غيبية لتخدير جمهورها. يفعلها الطغاة حين يخسرون السيطرة، ويفعلها الدجالون حين تنكشف عورتهم. وها هو نعيم قاسم، وقد شعر بأن خطاب “المقاومة” لم يعُد مقنعًا، وأن معارك غزة لا تُخاض من أجل لبنان، ولا من أجل “تحرير فلسطين”، بل من أجل رفع شعبية مهترئة، وسيطرة تتداعى، وسط شارع جنوبي بدأ يتململ ويسأل: لماذا نموت نحن ليبقى السلاح؟
ربما نسي الشيخ قاسم أنّ اللبنانيين باتوا يسألون عن الخبز، لا عن الجنة. عن الدولة، لا عن الوليّ الفقيه. عن الكهرباء، لا عن “الفيض الإلهي”. عن العدالة، لا عن الملائكة التي تحمي الفاسدين باسم المقاومة.
وإذا كان لا بدّ من سؤال صريح نواجه به الشيخ نعيم، فهو الآتي: هل كانت الملائكة أيضًا في صفّ قتلة لقمان سليم؟ هل وقفت إلى جانب من خطط لاغتيال وسام الحسن؟ هل كانت تهمس في أذن القاتل وتحدّثه عن “التوازن الإلهي” بين القاتل والمقتول؟
كفى عبثًا بالدين. كفى تحويلًا للسماء إلى شركة أمن خاص. كفى استخدامًا لأسماء الله لتبرير مشروع سياسي مذهبي طائفي مسلّح. فالملائكة في كتب السماء جاءت تبشّر لا تقتل، جاءت ترفع لا تدهس، جاءت مع كلمة “السلام”، لا مع راجمات الكاتيوشا.
ربما نسي الشيخ قاسم أنّ اللبنانيين باتوا يسألون عن الخبز، لا عن الجنة. عن الدولة، لا عن الوليّ الفقيه. عن الكهرباء، لا عن “الفيض الإلهي”. عن العدالة، لا عن الملائكة التي تحمي الفاسدين باسم المقاومة.
وإذا كانت الملائكة فعلًا تقاتل معكم، فلا حاجة لكم بالسلاح، ولا بالشعب، ولا بالوطن. اذهبوا وقاتلوا وحدكم، واتركوا لنا هذه الأرض، لعلنا نبني فيها وطنًا من دون أوهام.
اقرا ايضا: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: إيران على عتبة تاريخ جديد

