منذ أكثر من سبعة عقود، يعيش الفلسطينيون في لبنان لاجئين محرومين من حقوقهم الأساسية، في ظل إجماع رسمي وشعبي رافض لفكرة التوطين. إلا أن الانسداد السياسي وتراجع فرص العودة يفتحان الباب أمام تساؤلات جديدة: هل حان الوقت لإعادة النظر في منح الحقوق المدنية للفلسطينيين؟ وماذا عن أجيال نشأت في لبنان ولم تعرف غيره وطنًا؟
يرى بعض المراقبين أن الصراع المستمر منذ السابع من أكتوبر، وما نتج عنه من تغيّر موازين القوى في الإقليم، أضعف الرهان على “العودة بالقوة”، مما يضع لبنان أمام مسؤولية إعادة التفكير في خياراته. فهل تبقى الشعارات بديلاً عن الحلول العملية؟ وهل يحق إبقاء مئات الآلاف رهائن لانتظار طويل المدى؟
الدعوات المتكررة لاحتكار الدولة اللبنانية مسؤولية الأمن والدفاع، خاصة من الأطراف المسيحية، تعزز من طرح إدماج الفلسطينيين في إطار الدولة، بما قد يسهم في ضبط الوضع الأمني، وسحب السلاح من المخيمات، ومعالجة الأزمات الاجتماعية الناتجة عن حرمانهم من الحقوق الأساسية.
حول هذه الإشكاليات، يجيب النائب اللبناني وضاح الصادق، النائب اللبناني الفائز في الانتخابات النيابية في لبنان عن المقعد السني في دائرة بيروت الثانية عام 2022، في تصريح خاص لموقع جنوبية.
– برأيك، ما هي هواجس الشيعة والدروز والمسيحيين من توطين الفلسطينيين؟ وهل لدى السنة هواجس ومخاوف، أم على العكس هم مرحبون بالفكرة بفعل المشترك المذهبي بينهم وبين الفلسطينيين؟
الهواجس تضاءلت عند كل الطوائف فيما خص مسألة توطين الفلسطينيين، لأن تعداد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان اليوم قرابة 170 ألف فلسطيني، مقابل 5.7 مليون لبناني حسب آخر تعداد سكاني. وأستبعد أن يكون هناك إشكالية في منحهم الحقوق المدنية لأن تأثيرهم ليس كبيرًا من الناحية الديمغرافية. لكن من الأكيد، في ظل التوزيع الطائفي في لبنان ووجود أقليات مسيحية ودرزية وحتى شيعية في المنطقة بشكل عام، فهناك هواجس من التوطين.
لا أرى المسألة من المنظور الطائفي البحت، ولا أحبذ استخدام عبارات طائفية، فأنا لا أقول “حزب الله وحركة أمل والشيعة عمومًا”، لأن داخل كل طائفة أكثر من رأي، وداخل كل طائفة هناك عدة آراء ومنظورات للتعامل مع أوضاع الفلسطينيين في لبنان.
أرى أن هناك نوعًا من القبول عند المسيحيين لناحية منح بعض الحقوق المدنية الأساسية للفلسطينيين، سيما وأنهم لاجئون منذ 75 سنة في لبنان، فلو كانوا لاجئين في أي بلد آخر لكانوا حصلوا على الحق في الجنسية. لكننا في لبنان لم نعط الجنسية لأننا نريد المحافظة على حق العودة. لكن، في نهاية المطاف، يجب إعطاؤهم حقوقًا إنسانية، كالحق في العمل، وحق تملك المنازل، وأن تمنح المرأة اللبنانية الجنسية لأطفالها من أب غير لبناني.
– برأيكم، كيف يمكن التوفيق بين رفض التوطين وضرورة تنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان؟
يجب أن يكون هناك قوانين تحفظ حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وإلا كيف سنطلب سحب سلاحهم مع إبقائهم في المخيمات! وإذا كنا لا نريد منحهم التوطين للحفاظ على حق العودة كورقة سياسية، يجب إعطاؤهم حقوقًا مدنية أساسية، كما تفعل بقية الدول، من أجل الانتقال إلى المرحلة الثانية المتمثلة في سحب السلاح. ثم تأتي المرحلة الثالثة للبحث في أطر وآليات منح الجنسية، مع كل ما يرافقها من تداخلات سياسية محلية وإقليمية، وكل ذلك مشروط بتوافق وطني ويتطلب حوارًا وطنيًا جامعًا.
– هل انتهت صلاحية شعار حق العودة حقًا؟ وهل تعتقد أن حزب الله استثمر في هذا الشعار لتبرير تسليح نفسه؟
لا يجب أن تنتهي صلاحية حق العودة، لأن هذا حق لا يزول، وهناك صعوبة كبيرة في تحقيق هذا الشعار قريبًا، خصوصًا وأن المحور الإيراني استطاع الاستثمار في هذا الشعار لمصالح خاصة، ولمصلحة الأحزاب، ولمصلحة محور في المنطقة، بينما كانت مصلحة الفلسطينيين في المرتبة الأخيرة، مما فاقم من صعوبة تحقيق حق العودة.
– هل ترى مبررًا للسلاح الفلسطيني في المخيمات؟ وهل يمكن سحب سلاح الفلسطينيين من المخيمات دون تقديم بديل ومقابل لهم؟
لا مبرر للسلاح داخل المخيمات، لكن هناك حقوق يجب منحها للفلسطينيين، لكن هذين الأمرين لا يجب أن يكونا مرتبطين ببعضهما. بمعنى أن السلاح يجب سحبه من المخيمات، ولا يجب أن يكون مشروطًا بمنح الحقوق. وقد اجتمعت مع ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، وأكد على استعداد السلطة الفلسطينية لمساعدة الدولة اللبنانية في سحب سلاح المخيمات، لكن السلطة الفلسطينية بحاجة إلى إقناع الفلسطينيين بوجود بدائل لهم، ومنها الحقوق المدنية.
اقرا ايضا: لبنان أمام مفترق السابع من تموز: واشنطن تضغط بالسلاح والاقتصاد… وبري يُشعل الجلسة التشريعية

