البرنامج النووي الإيراني: بين الحلم الإمبراطوري وسلاح الردع الاستراتيجي

المنشآت النووية الإيرانية

على مدى أكثر من ستة عقود، شكّل البرنامج النووي الإيراني محورًا معقدًا من الطموحات العلمية، الصراعات السياسية، وحسابات الردع الاستراتيجي. بدأ كحلم إمبراطوري في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وتحوّل بعد الثورة الإسلامية إلى ملف نزاع دائم بين طهران والغرب، وصولًا إلى اللحظة الحرجة التي يقف فيها العالم اليوم على شفير انفجار نووي – سياسي محتمل.

من الذرة من أجل السلام..إلى الطموح النووي الإمبراطوري

بدأت قصة إيران النووية في العام 1957، حين وقّعت اتفاقية تعاون نووي مع الولايات المتحدة تحت مظلة “الذرة من أجل السلام”. وبعد عقد، تأسس مركز طهران للبحوث النووية، وتسلّمت إيران مفاعلًا بحثيًا بقدرة 5 ميغاواط من واشنطن.

وفي الستينيات والسبعينيات، تعاظم الطموح النووي الإيراني، لا سيما مع إقرار الشاه خطة طموحة لإنتاج 23,000 ميغاواط من الكهرباء عبر 23 محطة نووية بحلول العام 2000، مبررًا ذلك بأن “النفط أثمن من أن يُحرق”. وقّعت إيران اتفاقات مع أميركا، فرنسا، وألمانيا لبناء مفاعلات في بوشهر، والمشاركة في مشروع تخصيب اليورانيوم في فرنسا عبر شركة “يوروديف”.

ما قبل الثورة: مشاريع طموحة، دعم غربي، وسباق تقني

شهدت تلك المرحلة تعاونًا مكثفًا مع شركات أوروبية وأميركية. ففي بوشهر، أوكلت ألمانيا الغربية بناء مفاعلين نوويين، بلغت نسبة الإنجاز فيهما 85% بحلول 1979. كما أبرم الشاه اتفاقات مع جنوب أفريقيا لتأمين اليورانيوم، وخطط لامتلاك دورة وقود نووي كاملة، بدعم من إدارة الرئيس الأميركي جيرالد فورد، وبوجود رموز بارزة كدونالد رامسفيلد وديك تشيني في مواقع صنع القرار.

الثورة الإسلامية: انقطاع الدعم وتحول استراتيجي

مع قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، توقفت معظم الاتفاقات النووية. انسحبت الشركات الغربية من مشاريع بوشهر، وقطعت أميركا إمدادات الوقود لمفاعل طهران البحثي. وفي ظل الحصار الدولي، بدأت إيران تتجه إلى الأرجنتين ثم لاحقًا إلى الاتحاد السوفييتي وروسيا لتأمين الدعم التقني وتطوير القدرات الذاتية.

ورغم الحرب العراقية – الإيرانية التي دمّرت جزءًا من منشآت بوشهر، أصرّت طهران على المضي قدمًا. وفي الثمانينيات، تأسست منشآت لتطوير دورة الوقود محليًا، بدعم محدود من الأرجنتين، ومحاولات لاحقة للتعاون مع الصين، والتي توقفت تحت ضغط أميركي.

منشآت أراك ونطنز: بداية السرية وعودة التوتر مع الغرب

في التسعينيات، استأنفت إيران تعاونها مع روسيا لبناء محطة بوشهر، وأنشأت في السر مفاعل أراك للماء الثقيل ومنشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم. في 2002، كشفت المعارضة الإيرانية عن هذه المواقع غير المعلنة، ما أثار قلقًا دوليًا كبيرًا.

الوكالة الدولية للطاقة الذرية تدخلت، وبدأت جولات تفتيش متعددة، لكن الشكوك الغربية حول نوايا إيران لم تتوقف. واشنطن، في عهد جورج بوش الابن، اعتبرت إيران جزءًا من “محور الشر”، واتهمتها بالسعي لصنع سلاح نووي.

الاتفاق النووي 2015: نجاح مؤقت وانهيار لاحق

بعد سنوات من التوتر، توصّلت إيران عام 2015 إلى اتفاق نووي مع مجموعة 5+1، نصّ على الحد من التخصيب بنسبة لا تتجاوز 3.67%، وتقليص عدد أجهزة الطرد المركزي، وقبول رقابة صارمة، مقابل رفع تدريجي للعقوبات.

لكن هذا الإنجاز سرعان ما انهار. ففي 2018، انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق، وفرض عقوبات قاسية أعادت البرنامج إلى واجهة المواجهة. وردت إيران برفع نسبة التخصيب تدريجيًا إلى 20% ثم 60%، بينما أكدت أنها لا تسعى إلى صنع قنبلة نووية، بل إلى تطوير تقنيات مدنية.

التخصيب والخط الأحمر الإسرائيلي

تجاوز التخصيب 60% في منشأة فوردو مثّل خطًا أحمر أمنيًا لإسرائيل، التي تعتبر أن امتلاك إيران للقدرة على تخصيب اليورانيوم بنسب قريبة من 90% يعني أن بإمكانها صناعة قنبلة نووية في أي وقت تشاء.

وقد أعلنت الوكالة الدولية أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب يكفي نظريًا لصنع قنابل نووية عدة، ما دفع إسرائيل إلى تصعيد ضرباتها ضد منشآت إيرانية في سوريا والعراق، والتهديد بتوسيع الحرب إلى العمق الإيراني.

ما تريده طهران: ردع وشرعية لا قنبلة نووية

في الخطاب الإيراني الرسمي، لا نية لصنع قنبلة نووية. لكن في العمق، يقدّم البرنامج النووي لإيران ثلاث وظائف استراتيجية:

  • ورقة ضغط في التفاوض مع الغرب.
  • وسيلة ردع ضد خصومها الإقليميين والدوليين.
  • مصدر فخر داخلي يعزز شرعية النظام.

ويرى كثير من المحللين أن إيران تسعى لامتلاك “القدرة الكامنة”، أي البنية التحتية والمعرفة التي تتيح لها صنع سلاح نووي إذا لزم الأمر، دون التورط فعليًا في إنتاجه.

البرنامج النووي في قلب المعركة الإقليمية

اليوم، عاد البرنامج النووي الإيراني إلى قلب النزاع الإقليمي – الدولي. فإسرائيل تشنّ حربًا مفتوحة على البنية التحتية النووية الإيرانية، والغرب يحاول من جديد العودة إلى طاولة المفاوضات عبر اتفاق جديد، وسط صعود صيني – روسي يعيد رسم التوازنات.

البرنامج النووي لم يعد مجرّد مشروع تقني، بل ساحة اشتباك دولية، يعكس التغير في ميزان القوى، وتبدّل أولويات الأمن القومي في المنطقة. وما بين مفاعل بوشهر ومخزون نطنز، تقف إيران على مفترق طرق: إما تسوية كبرى تحفظ ماء الوجه، أو تصعيد يقود الجميع إلى الهاوية.

اقرأ أيضا: جنيف بين الحرب والسلام: هل تعيد الدبلوماسية رسم مشهد المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية؟

السابق
غارة إسرائيلية تستهدف مبنى تعاونية الصيادين عند مدخل ميناء الناقورة
التالي
إسرائيل تحت وابل المسيّرات: حالة تأهب في الجنوب واستهداف نووي في أصفهان