كما كل العالم، إنشغل لبنان أمس بتداعيات الهجوم الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من هجمات متبادلة هي الأولى في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الإسرائيلي، وفتحت هذه المواجهات العديد من الأسئلة لبنانيا، أبرزها عن مدى تأثيرها على الاستقرار الأمني في لبنان، في ظل المخاوف من لجوء حزب الله إلى ما يشبه “حرب مساندة” جديدة وهذه المرة لإيران وما يعنيه ذلك من إقحام لبنان في تداعيات حرب جديدة لا ناقة له فيها ولا جمل.
استنفار سياسي لبناني
وفي التداعيات عاد الى بيروت مساء امس الرئيس جوزف عون آتياً من الفاتيكان، بعدما كان مقرراً ان يعود اليوم، ليكون على مقربة من التطورات المتسارعة بعد اعلان اسرائيل الحرب على ايران.
وحضرت الضربات الاسرائيلية في لقاءات الرئيس نواف سلام، الذي تابع تداعياتها مع وزراء الدفاع ميشال منسى والداخلية احمد الحجار، والخارجية يوسف رجي والاشغال فايز رسامني وقائد الجيش العماد رودولف هيكل.
إقرأ أيضا: يوم دامٍ من طهران الى تل أبيب: هل تنجح دبلوماسية ترامب وتوقف «المجزرة»؟!
وذكرت مصادر حكومية لـ«اللواء» ان الرئيس سلام طلب من قائد الجيش العماد رودولف هيكل «إبلاغ حزب الله بأن لبنان على اعلى مستوياته الرسمية أدان العدوان الإسرائيلي على ايران، لكنه يدعو الى عدم الرد من لبنان ولن يسمح بإدخال البلاد في مواجهة او حرب جديدة مع اسرائيل. وأن الجيش اللبناني هو الذي يتواصل مع المعنيين لمنع اي عدوان على لبنان في اطار التمسك بالثوابت اللبنانية، والحكومة تؤكد أن قرار الحرب والسلم بيد الدولة».
وشدد الرئيس سلام على ضرورة اتخاذ كل الإجراءات لضبط الاستقرار، لا سيما في ظل التوترات الإقليمية الراهنة. كما جرى استعراض الخطط الطارئة الموضوعة من قبل الأجهزة الأمنية والوزارات المختصة للتعامل مع أي انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على الوضع الداخلي.
وذكرت صحيفة “الجمهورية” وفق معلومات وصفتها بالموثوقة أن حركة اتصالات مكثفة سياسية وأمنية جرت في الساعات الأخيرة في أكثر من اتجاه داخلي سياسي وحزبي، لتغليب التعقل والحكمة ومحاذرة السّقوط في أيّ منزلقات سواء تحت عنوان دعم او إسناد، من شأنها ان تهدّد البلد بأمنه واستقراره بصورة عامة.
وأُفيد في هذا السياق عن إبقاء الاتصالات مفتوحة بين الرئاسات الثلاث، فيما تولّت جهات أمنية لبنانية الاتصال المباشر مع «حزب الله».
وكشفت مصادر واسعة الاطلاع لـ«الجمهورية» عن ورود نصائح متتالية عبر قنوات ديبلوماسيّة خارجية متعدّدة، فحواها عدم فتح مجالات الخطر امام لبنان، وتجنّب عواقب جرّ الجبهة الجنوبية إلى مخاطرة قد يلجأ إليها أيّ فصيل لبناني أو غير لبناني.
إقرأ أيضا: المديرية العامة للطيران المدني: تمديد إقفال الأجواء اللبنانية حتى العاشرة من صباح اليوم
وفيما لوحظت في الساعات الاخيرة كثافة في الإجراءات الأمنية في العديد من المناطق اللبنانية، عبّر مرجع كبير عن مخاوف جدّية من انّ المنطقة برمتها باتت في دائرة الخطر، حيث يخشى بروز تطورات دراماتيكية في الآتي من الايام، على اكثر من ساحة، وخصوصاً انّ زمن الحرب مفتوح وتنذر بالأسوأ. وهو ما اكّد عليه ايضاً مسؤول أممي بقوله رداً على سؤال لـ«الجمهورية»: «منطقة الشرق الأوسط تمرّ في أخطر أوقاتها، ولا مصلحة لأي طرف في الاستمرار في حرب تهدّد الامن والسلام الاقليميين».
تواصل قائد الجيش مع حزب الله
وكشفت صحيفة “نداء الوطن” أن قائد الجيش العماد رودولف هيكل تواصل مع “حزب الله”، بعد الضربة الإسرائيلية على إيران، وأبلغه بضرورة تحييد لبنان وعدم الانجرار إلى مواجهة جديدة، لأن هذه الحرب ليست حربنا، داعياً إياه إلى الالتزام بالقرار الرسمي الذي يؤكد أنّ قرار الحرب والسلم بيد الدولة.
كما نقلت “نداء الوطن” عن مصادر رسمية أن لبنان أجرى اتصالات بجهات خارجية من أجل إبعاد شبح الحرب، وتركزت مع واشنطن وباريس، وتم الاتفاق على حياد لبنان. من جهة ثانية أعطت السلطة السياسية الضوء الأخضر للقوى العسكرية وخصوصاً في الجنوب، وتم رفع التأهب إلى الحالة القصوى تحسباً لأي رد من أذرع إيران في حين تم التواصل مع “حزب الله” من أجل عدم دخوله المعركة وكان رده إيجابياً.
وأتت هذه الرسائل بإشراف مباشر من شخصيات رفيعة في الدولة، بالتوازي مع تنسيق دولي وإقليمي لضمان عدم انزلاق الجبهة اللبنانية إلى دوامة النار المفتوحة. ووفق المصادر، فإن لبنان الرسمي يعتبر أن الانخراط في هذه المواجهة الكبرى لا يُجدي سوى في إلحاق الضرر المباشر به، ما يجعل من التحييد واجباً وطنياً وليس خياراً سياسياً.
الحزب لن يتدخل
ونقلت قناة “العربية” عن مصدر مقرب من “حزب الله”: ان ما يحصل بين إسرائيل وإيران شأن دولي ولن نتدخل. إذا تعرض لبنان لأي هجوم فالدولة مسؤولة.
كما نقل عن مسؤول في حزب الله قوله: اننا لن نبادر لمهاجمة إسرائيل ردا على ضرب إيران.
إقفال المجال الجوي اللبناني
وفي هذا المجال، حذّرت قيادة الجيش المواطنين من سقوط بقايا صواريخ اعتراضية، وتدعوهم إلى عدم الاقتراب منها حفاظًا على سلامتهم. وقالت: تعمل الوحدات العسكرية المختصة على نقل هذه البقايا وإجراء اللازم بشأنها.
وادى اقفال المجالات الجوية في عدد من الدول العربية واسرائيل وايران الى الغاء واعادة جدولة عدد كبير من الرحلات الى مطار بيروت. والغت شركة طيران الشرق الأوسط رحلاتها إلى الدول التي أقفلت مجالها الجوي كالأردن والعراق وتعمد إلى تغيير مسار طائراتها وفقًا للمسارات الآمنة.
وجرى اقفال المجال الجوي اللبناني حتى العاشرة من صباح اليوم.
إقرأ أيضا: بالفيديو والصور: دمار غير مسبوق.. 40 مصابا في الهجوم الإيراني على إسرائيل
إدانة الهجمات على إيران
ولاقى العدوان الاسرائيلي على ايران ادانة لبنانية رسمية وسياسية، لا سيما من الرؤساء جوزف عون ونبيه بري ونواف سلام ووزارة الخارجية وحزب الله ومرجعيات دينية شيعية، الذين اعتبروا ان اسرائيل بتفلتها وعدوانيتها تهدد الاستقرار الاقليمي وتدفع بالمنطقة نحو الحرب.
جدول تسليم سلاح “الحزب”
وذكرت صحيفة “نداء الوطن” أن اللجنة الخماسية التي تشرف على تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، نصحت لبنان بوضع جدول زمني لتسليم السلاح لتفادي الأسوأ، وأبلغته أن المجتمع الدولي لن يغض النظر عن هذا الموضوع، فباتخاذ لبنان خطوات عملية مطلوبة منه يستطيع إبعاد شبح الحرب لأن إسرائيل مصرة على إنهاء كل تهديد يطالها، في حين أن أحد شروط المجتمع الدولي لمساعدة لبنان، هو بسط سلطة الدولة وجمع كل السلاح غير الشرعي.
وسط هذا المشهد المعقّد، يبقى لبنان في سباق دائم بين نيران الإقليم المتفجّرة وسعيه المضني لحماية ما تبقى من استقراره الداخلي، في وقت يدرك فيه الجميع أن أي خطأ في الحسابات قد تكون كلفته باهظة للغاية.

