في زمنٍ تُقاس فيه الرجولة بالحرب، والكرامة بالشعار، والدين بالانتماء، سجّل التاريخ سطرًا لا يشبه غيره. سطرٌ كُتب بالقمح حين جفّ الحبر، وبالدمع حين مات الماء، وبالرحمة حين تخلّى كثيرون عن إنسانيّتهم.
في سنوات الجوع والموت التي اجتاحت جبل لبنان إبّان الحرب العالمية الأولى، حين طوى “سفر برلك” وجوه الأحبّة، وابتلع الطريق أسماء لا تُحصى، وعلّق التجنيد العثماني أعمارًا على أعتاب المقصلة، هناك في دمشق، نهض البطريرك غريغوريوس الرابع حدّاد، لا كزعيم طائفة، بل كرجل يُشبه الله في لطفه، لا في سطوته.
لم يسأل عن الهويّة، ولا فتّش في جيوب اللاجئين عن صكّ الإيمان، بل فتح أبواب البطريركية الأرثوذكسية، لا ليستقبل أبناء مذهبه، بل ليستقبل الجائعين..جميع الجائعين، من كل دين، ومن كل طائفة، ومن كل جهة.
قال له بعضهم يومها:
“يا سيدنا، مال الكنيسة ليس للجميع!”
فأجابهم بما لم تقله المجامع ولا الكتب:
“إن نفد المال..نرهن الصليب ونطعم الناس”.
كأنما في لحظة مجاعة، صار الصليب مائدة، لا خشبة صلب.
وصار الجوع صلاة، لا لعنة.
وصار بطريرك دمشق بطريرك كلّ مَن جاع، وكلّ مَن هرب من موتٍ اسمه الحرب، ومن ظلمٍ اسمه الدولة، ومن خيانةٍ اسمها الطائفية.
غريغوريوس لم يدوّن مواعظه في المجلدات، بل كتبها على جبين الجائعين، حيث كل لقمة خبزٍ كانت آية، وكل حضنٍ مفتوحٍ كان بشارة.
لكن…
أنظر اليوم إلى ما صرنا إليه:
في لبنان، جائع يقرع أبواب السلطة والمتسلطين فيُرمى بالشعارات، لا بالخبز.
في فلسطين، منازل تُهدم فوق أرواحٍ تبحث عن رغيف، كم من مطران في هذا الشرق فتح باب داره، وكم من شيخٌ يرهن صليبه أو عمامته. هناك بعض مطارنة وقفت، وبعض عمائم ضحت..
في غزة واليمن والسودان، الأطفال يُعدّون ضحايا قبل أن يتعلموا العدّ.
نعيش بين رجال دين يتباهون بثقل رصيدهم المصرفي، لا بثقل دموع فقير على عتبة دير أو مسجد.
يطلبون من الناس أن تصبر على الجوع، وهم لا يصبرون دقيقة دون مواكب الحرس والخدم والتكييف المركزي!
يا سادة الطوائف..أين أنتم من غريغوريوس؟
أنتم تقفلون أبواب دور العبادة باسم الأمن، وتفتحون صناديق الزكاة والهبات باسم الاستثمار.
أنتم تحفظون الأناجيل والقرآن والحديث والفقه، ولا تحفظون وجه طفلٍ نحيلٍ ينظر إليكم كأنكم الله.
أيّها الغريغوريوس العظيم،
لم يكن يسوع ليتأخر عن الوقوف بجانبك،
أنت الذي جعلت من دمشق مذودًا جديدًا،
ومن الصليب رفًّا للقمح،
ومن الدين..ملجأ للإنسان، لا أداةً لفرزه.
أما نحن ..فنعيش في زمنٍ صار فيه الجائع مذنبًا،
والرحمة تُعطى بالواسطة،
والصليب لا يُرهن، بل يُشهر في وجوه المحتاجين.
اقرا ايضا: حصيلة كارثية لليلة الرعب في الضاحية.. 5 مشاهد توثق الدمار ومسؤول في «الحزب» يخرج عن صمته

