أعتنق البعض أفكارهم دون براهين كما يقول نيتشة، فكيف يمكنك أن تقنعهم بزيفها من خلال البراهين؟!
ما زال حزب إيران في لبنان يحاول اللعب على أنقاض وركام ورماد الضواحي والقرى والمدن المدمرة في موضوع الاحتفاظ بالسلاح الغير شرعي في لبنان. أو في حقيقة الأمر في محاولته الاحتفاظ بالسلاح الإيراني الغير شرعي في لبنان نزولاً عند تعليمات ملالي إيران خدمة للمصالح الايرانية التوسعية، وخصوصاً في هذه المرحلة الوجودية التي لا تقبل مزاحا في مفهوم وملف إيران النووي والمفاوضات النووية المتعثرة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
السلاح والاستحمار
والحقيقة ان الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الداخلية في مستعمرة ولاية الفقيه داخل إيران أعادت الشعوب الايرانية إلى القرون الوسطى في العلاقة بين مفهوم السلطة القمعية المتسلطة بإسم”الدين”، أو بالأحرى بين الولاية والسلطة الدينية المفبركة ومفهوم الدولة المسلوبة من حرس نظام “الولي الفقيه الثوري” الحاكم بالنار والحديد والقمع “الثوري” المستبد، وخصوصاً بعد إن اطلقها رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مدوّية: “عهد تصدير الثورة الإيرانية انتهى، ولا سلاح غير سلاح الشرعية”.
بهذا التصريح اللافت، رسم رئيس الحكومة اللبنانية ملامح مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الواضح: لا مساومة على سيادة الدولة ولا تسويات على حساب الدستور في حين يحاول حزب الملالي في لبنان الاختلاف أو التلاعب واللعب في الحقيقة على إحدى أهم مسلمات السيادة الوطنية في اي دولة في العالم، الا وهي حصرية السلاح في يد الدولة الشرعية.
في زمن التقدم المادي والانفتاح المعرفي، لا تزال البشرية تصارع أحد أكثر أمراضها النفسية والاجتماعية تعقيداً: “الاستحمار”.
هذا المفهوم الذي تناوله المفكر الإيراني علي شريعتي في كتابه العميق “النباهة والاستحمار”، لا يُقصد به مجرد الجهل، بل يشير إلى حالة التغييب المتعمد للوعي، حيث يُساق الإنسان إلى هامش الحياة، منصرفاً عن القضايا الكبرى إلى التفاصيل التافهة، دون أن يشعر. شريعتي يضع النباهة – وهي الوعي اليقظ بقضايا الذات والمجتمع والوجود – في مقابل الاستحمار، الذي هو تغييب للعقل، سواء عبر القوة أو “التشغيل الذكي” للذهن في قضايا ثانوية تُلهيه عن مسؤوليته الكبرى.
وهنا تتقاطع رؤيته بعمق مع أطروحات إريك فروم، عالم النفس الاجتماعي، الذي حلل في كتابه الهروب من الحرية كيف يختار الإنسان احياناً طواعية أن يهرب من عبء الحرية والوعي، إلى برّ الأمان المتمثل في الطاعة العمياء، والتقليد، والانشغال بالسطحي. فروم يصف هذه الحالة بأنها نوع من “الاستلاب”، حيث يفقد الإنسان حريته الداخلية، ويصبح مجرد أداة في يد قوى خارجية – سواء كانت سياسية أو ثقافية أو دينية او اجتماعية. إنه يشبه حالة “الاستحمار” عند شريعتي، التي تتجلى حين يُجهَّز الإنسان نفسيًا وسلوكيًا ليقبل التهميش، بل ويدافع عنه.
في زمن التقدم المادي والانفتاح المعرفي، لا تزال البشرية تصارع أحد أكثر أمراضها النفسية والاجتماعية تعقيداً: “الاستحمار”.
يقال انه يمكن للمجتمعات ان تكون متخلفة وجاهلة، ولكن الأخطر هو أن ترى جهلها مقدسًا!
نعم، يحاول الإيراني دائماً الاستخفاف أو محاولة استحمار الآخرين كما يحب ان يصورها له عقله المريض، أو كما يتخيلها في أحلامه السيكوباتية، كذلك في تعليماته “المقدسة” الى وكلائه الحصريين في لبنان – لبنان الذي مازال يعتبره الإيراني مجرد ذراع لتحقيق اغراضه، أو بالأحرى أمراضه السياسية المستعصية وشعاراته “الإلهية” على شاكلة “المقاومة على قلبَك باقية” وعباراته المفصلية التي أصر أمين عام “حزب الله” الحالي على إفهامنا إيّاها “بالعربي الدارج”، أنّه “كما أنّ لا إمكانيّة لإزاحة لبنان ونقله الى مكان آخر، كذلك لا إمكانيّة لإزاحة المقاومة من لبنان”.
الغرق في الماضي
وعندما يكون هذا جوهر خطاب “الساعة” بمناسبة “عيد المقاومة والتحرير” فلا يعود من داعٍ للتعليق وللنقاش، لأنّ “حزب الله” لا يزال غارقاً في الماضي او في ألامس القريب. وذلك دون ان يتطرق الشيخ نعيم من قريب أو من بعيد، الى ذِكرِى حرب تموز ٢٠٠٦ وللعبارة الشهيرة “لو كنت أعلَم”، وعدم تناوله لحرب “الإسناد والإلهاء والإشغال” التي أعلنها “حزب الله” في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣ والتي أدّت الى ما أدّت إليه من وَضعٍ حاليٍّ كارثي على المواطنين في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبيّة وغيرها من المناطق، عدا عن بقاء أسرائيل في مناطق وتلال إضافيّة من الجنوب، لأنّ الحرب الأخيرة على إسرائيل أفقَدَت بنتائجها “حزب الله”، أفقَدَته كلّ مبرّرات ومقوّمات وجوده وألغت سرديّته الى غيرِ رجعة.
لبنان الذي مازال يعتبره الإيراني مجرد ذراع لتحقيق اغراضه، أو بالأحرى أمراضه السياسية المستعصية وشعاراته “الإلهية” على شاكلة “المقاومة على قلبَك باقية”
عاش زرادشت عشر سنوات في عزلة، يحاور روحه ويبحث عن الحكمة، لكنه يوماً قرر النزول إلى الوادي، حاملاً معه جمرةً فلسفيةً ستُشعل النيران في قلاع الأخلاق التقليدية، وتُعيد تشكيل مفهوم الإنسانية نفسها. زارادشت الذي يعود إلى العالم بعد سنوات من التأمل لِيُعلّم البشرَ “الإنسان المتفوّق”، ذلك الكائن الذي سيتجاوز ضعفهم، مُحررًا من أوهام “الآلهة” المفبركة وأخلاق العبيد.
في رحلته، يصادف زرادشت شخصياتٍ رمزيةً تعكس أمراض العصر: من “القديس” الذي يدّعي حب الإله حتى فقدان إنسانيته، إلى “الرجل القبيح” الذي يخفي وجهه خلف عباءة الفضيلة.
وفي غابة أفكاره، يصطدم بأفكارٍ كالبراكين: “إرادة القوة” ليست سعيًا للسيطرة بل اندفاعاً حيوياً لخلق الذات، و”العود الأبدي” الذي يطرح سؤالاً وجودياً: “ماذا لو اضطررت أن تعيش حياتك نفسها مراراً إلى الأبد؟”. هذا السؤال يصير مِحكًا لتمييز من يعيش وفق قيمه الحقيقية وبين من يتبعون “أخلاق القطيع” كما هي حالنا التعيسة المزرية مع حزب قطيع الحرس الثورى الإيراني في لبنان!
اقرأ أيضا: سوريا وإسرائيل في محادثات مباشرة للمرة الأولى منذ عقود

