كيف ننقذ مشروع التغيير مع نوابه او بدونهم

حارث سليمان


هل كانت الانتخابات البلدية عرسا ديموقراطيا، كما يحلو للفائزين فيها، ان يصفوا مراحلها واحداثها ونتائجها ؟ والجواب على السؤال يحمل اجوبة متنوعة، مركبة ومعقدة ومتناقضة حينا، وبسيطة صادمة ومؤسفة حينا آخر.

من الواضح اولا؛ ان الدولة والحكومة ووزارة الداخلية قد انجزت انتخابات مقبولة ومعقولة، على مستوى الادارة والاشراف وحيادية أجهزتها في التعاطي مع مختلف أطراف المعارك الانتخابية، على الرغم من بقاء نفوذ واضح للثنائية الحزبية المذهبية، حركة امل وحزب الله، في هيكليات السلطات التي ادارت العملية الانتخابية، ونجاح هذه الثنائية في التاثير في ادارة واختيار غالبية رؤساء الاقلام  وأمناء سرها من محازبيهم وانصارهم في اقلام اقتراع المناطق الشيعية.

كما نجحت الدولة والحكومة في تأمين العمليات الانتخابية في كل قرى الجنوب وبلداته، وتجاوزت تحديات نتجت عن ظروف الدمار في قراه الأمامية واحتلال الجيش الاسرائيلي لاجزاء من التراب الوطني اللبناني، وممارسة طيرانه ومسيَّراته  لأعمال إغتيالات وقتل شبه يومية، تستهدف عناصر حزب الله ومسؤوليه.
اما المظهر الثاني لهذه الانتخابات فهو تعامل الاحزاب والاطراف السياسية كافة، مع الانتخابات البلدية، كدورة تمهيدية للانتخابات النيابية، ومحاولة تذخير قواها وحشدها واختيار تحالفاتها وتحديد خصومها، وتعريف المخاطر التي عليها مواجهتها، منذ اليوم وحتى حلول الانتخابات النيابية في السنة القادمة.
 وفي هذا المجال يمكن تسجيل تقدم واضح لحزب القوات اللبنانية في مختلف المدن الكبرى ذات الأكثرية السكانية المسيحية على حساب التيار الوطني الحر، وعدا مدينتي جزين وبشري نفسها، فقد تقدمت ارقام الأصوات المؤيدة للوائح القوات وحلفائها بشكل واضح وجلي.
اما ثنائية حزب الله وحليفته حركة امل فقد خاضت معاركها تحت سقف الحرص على ان لا تولد نتائج الانتخابات البلدية، محصلة ارقام ملموسة تؤشر لقيام تيار ثالث يناهض الثنائية ويعلن حضوره الشعبي انطلاقا من المعركة البلدية، ولذلك فقد سعت الثنائية الحزبية حيث استطاعت الى التوصل الى لوائح تزكية، قدمت فيها تنازلات للقوى المحلية، وتوصلت الى تفاهمات، بقصد استيعابهم، مع منافسين واخصام كانت على عداء معهم في معارك سابقة، ففي بلدة بريتال عقدت تسوية مع انصار الشيخ صبحي الطفيلي وفي الجنوب افردت على لوائحها مواقع للحزب الشيوعي اللبناني، وخاصة في حولا والخيام وكفرمان، وحيث لم تنجح في الوصول الى تزكية خاضت معارك رابحة في مدن بعلبك والهرمل والنبطية وصور، إضافة لبلدات شعث ودورس وبدنايل وحولا، وخسرت في الزرارية وجرجوع وسجد ومقنه وخرقت لوائحها في قرى اخرى، وعلى الرغم من وجود معارك متفرقة متفاوتة الاوزان والاحجام، الا ان الثنائية نجحت في حصر هذه المعارك في دائرة  الخلافات الموضعية المحلية، والتي لا تتخطى سقف تبلور معارضة تصل الى الاطار السياسي العام.

الامر الثالث هو تهافت الخطاب السياسي الفكري والانمائي للنخبة السياسية اللبنانية، وهو امر يشير الى انهيار العلاقة بين الأحزاب والمنابر السياسية اللبنانية والجمهور اللبناني بكل اطيافه ومناطقه. فبعد خطاب القسم الذي اعلنه رئيس الجمهورية والبيان الوزاري لحكومة نواف سلام، والذي اطلق دينامية عملية لتنفيذ سلسلة من الخطوات والإجراءات، في مجالات ثلاثة اولها استعادة الدولة لسيادتها وحصرية السلاح في يدها، وثانيها اجراء الاصلاح المالي والنقدي واستعادة التعافي الاقتصادي، وثالثها ترسيخ مبدا العدالة والمساءلة عبر سلطة قضائية مستقلة، على ضوء هذه الاجندة المثلثة يتبدى جليا، انه لم يعد للأحزاب السياسية ما تضيفه الى اجندة الدولة والحكومة، وان كل ما تستطيع فعله هو اما تسهيل هذه الاجراءات والمساعدة في تنفيذها، او رفضها وعرقلتها ومحاولة تفخيخها ومنع تنفيذها.

ونتيجة لذلك بدت الاحزاب كافة، كواجهات خاوية من اية تجدد او تحديث، لا تمتلك ما تستطيع تسويقه او ترويجه، وغلب على دعواتها افكار وبرامج من زمن مضى، تماما كمحلات توزيع البسة مستعملة؛ فتبنت شعارات ذرائعية مهمتها ترداد خصومات من الماضي، واستثارة مخاوف لم تعد موجودة، ففي زحلة مثلا رفعت القوات اللبنانية شعار ” على زحلة ما بيفوتوا” وهو شعار رفعته القوات اللبنانية سنة ١٩٨١ بوجه قوات نظام الاسد السورية، خلال المعركة التي حدثت في ذلك التاريخ، والحقيقة ان نظام الأسد وقواته لم يعودا موجودين، فمن هو الطرف الذي تريد القوات منعه من دخول زحلة؟! وفي الواقع ان زحلة تأمل ان تستقبل كل زائر لها ومصطاف في مقاهيها، انعاشا لاقتصادها، وازدهارا لمتاجرها!!. وكان حريا بحزب فاعل كالقوات اللبنانية ان يعلن ان زحلة يريدها ان تكون مدينة مفتوحة للثقافة والسياحة والضيافة لكل بقاعي ولبناني وعربي …

اما في بيروت التي شهدت نسبة تصويت منخفضة، رغم حشد كل الطبقة السياسية باحزابها كافة لعناصرها وانصارها، فلم يشارك في عمليات الاقتراع الا بيروتي واحد من اصل مجموع خمسة على لوائح الشطب، ولم تنل اللائحة الفائزة الا 8 % من اعداد ناخبي المدينة، فكيف تقوى لائحة على الاحتفال بنصر كهذا؟.
 وعلى الرغم من ان المعركة الانتخابية في بيروت جعلت شعارها المناصفة والشراكة الاسلامية المسيحية، فإن نسبة اقتراع المواطنين الموارنة لم تتعدى نسبة 18 % رغم انتظام كل الاحزاب السياسية والمرجعيات الروحية المسيحية في لائحة واحدة، وهو ما يظهر ان شعار المناصفة، لتبرير التحالف مع حزب الله والاحباش، لم يثر حماس المسيحيين ولم ينجح في استدراجهم الى المشاركة. 

وبناء على ما تقدم تحولت المعارك البلدية في غالبية المدن الكبرى، الى منافسة مفتوحة وحادة بين ماكينات الأحزاب وصناديق تمويلها وعناصرها والحشود المنظمة، والدائرين في كنفها، وليست معركة بين الناس والاهالي والاجيال والمواطنين والمواطنات، وهو ما يفسر تدني نسب الاقتراع في كل دوائر لبنان واقضيته، عن النسب ذاتها في انتخابات البلديات الماضية سنة ٢٠١٦. 

ان تحويل عملية الاقتراع من معركة حول خيارات الناس ونمط معيشتهم ومصالحهم، الى معركة بين ماكينات حزبية وصناديق تمويل كبرى، كان فرصة نادرة لكي يستعرض حزب الله ميزاته التفاضلية في بيروت وبعلبك والهرمل والنبطية وصور ايضا، وهو الذي يدفع باستمرار ما يزيد عن ٨٠ الف راتب شهري بارقام مالية دائمة، وهو ايضا من تمكن خلال الاربعة أشهر التي سبقت الانتخابات البلدية، من توزيع ما يصل الى مليار دولار $  كتعويضات أضرار وبدلات ايواء على المتضررين من حرب إسناد غزة.
 ويبقى ان تدرك القوى الحية في وطننا انه ثمة فارق جلي بين صعوبة اقناع المواطنين، عبر خطاب سياسي ضحل ومتهافت، بجدوى الذهاب للاقتراع من جهة اولى وبين سهولة الزام الموظفين  الحزبيين للمواظبة في دوامهم وتجديد ولائهم من جهة أخرى.

وتطرح هذه المسألة مازقا اساسيا تواجهه اللعبة الديموقراطية اللبنانية والحياة السياسية عامة، وهي ازمة لا تطال التمثيل السياسي لابناء الطائفة الشيعية فقط، بل تطال جوهر النظام الديمقراطي البرلماني وآليات تداول السلطة وتعاقبها.

وقد ساهم في عزوف المواطنين غير الحزبيين، عن المشاركة الكثيفة في الانتخابات البلدية، الواقع المتردي لميزانياتها التي انهارت قيمتها مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية، فالمواطنون يدركون ان البلديات الجديدة المنتخبة، في ظل ميزانيات شحيحة، لن تكون قادرة على القيام بالحد الادنى من وظائفها اليومية، ولن تساهم من مداخيلها باية مشاريع تنموية او توسعية جديدة.
كلمة اخيرة اوجهها لقوى التغيير من جهة اولى ولنواب التغيير من جهة ثانية والفصل بين الجهتين أصبح واجبا وضروريا، فمشروع التغيير في لبنان هو اغلى من ان يستلمه ويقوده نواب يتخاصمون حوله او يتناوبون عثراته وهفواته.

ينبري كل نائب من نواب التغيير للكلام عن ما فعله منفردا، وعن الواجبات النيابية التي اداها بنشاط وفعالية، من حضور اللجان والمشاركة في نقاشاتها الى تقديم واقتراح القوانين الاصلاحية، وكل هذه المهام والفعاليات جيدة وضرورية، وتشبه مثابرة موظف قطاع عام في دولة شرقية على الحضور الى مؤسسته طيلة دوام عمله، لكن فعاليته وانتاجيته لا تقاس طبعا بدوامه الشخصي.

فالصفات الشخصية النبيلة والسيرة الذاتية المحترمة و الواجبات والنشاطات الفردية الدؤوبة ليست كافية، وبصراحة مطلقة؛ لاتشرح لي ماذا فعلت انت منفردا، بل اوضحوا لجمهوركم ماذا فعلتم انتم كمجموعة، المطلوب من نواب التغيير تحريك عجلة التغيير وتحشيد قوى واسعة حول مشروعها، وقد استطاع هؤلاء ان يكونوا صفا واحدا، وان يلعبوا دورا ايجابيا في انتخاب رئيس الجمهورية وفي الانحياز لخطاب القسم، وان يساهموا مساهمة فعالة في تسمية نواف سلام رئيسا للحكومة، لكنهم عدا ذلك لم يتلاقوا في محطات اخرى لتشكيل كتلة حرجة تصنع التغيير وتحشد قواه وتسرع انجازاته!! واعتقد انه هذا عيبهم القاتل، الذي انتج في معركة بيروت البلدية خسارة صافية حصدها نواب التغيير باجمعهم وهم متفرقين ايدي سبأ…
والسؤال اليوم كيف ننقذ مشروع التغيير ونستمر به؟ مع نواب التغيير اذا التزموا اجندة التغيير وشروطه، او بدونهم!!؟ 

السابق
إيران ما بعد خامنئي: صراع على الخلافة..هل ستبقى ولاية الفقيه؟!
التالي
مسؤول فلسطيني: حماس توافق على مقترح «ويتكوف» لوقف إطلاق النار مقابل هدنة وتبادل أسرى