ودائع ضائعة وإثراء غير مشروع: حارث سليمان كواليس أكبر أزمة مصرفية في لبنان

Dr. Hareth Sleiman (1)

في ندوة عقدت يوم الخميس الماضي بعنوان «الإصلاح المالي والنقدي ضرورة للنهوض الاقتصادي»، دعا إليها المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في بيروت – برج أبي حيدر وحضرها موقع «جنوبية»، أكد الدكتور حارث سليمان أن ما حدث في لبنان «ليس كما يُشاع مجرد خسائر وفجوة مالية»، بل هو، حسب تعبيره، «ودائع تم هدرها، وهناك أرباح من الانهيار». 

وتابع: «الأزمة سببت خسائر لشريحة كبيرة من اللبنانيين لكنها في نفس الوقت سبب إثراء غير مشروع لشريحة أخرى»، معتبراً أن «أي معالجة، عن كيفية تعويض الخسائر هي معالجة قاصرة، جزء من الحل يكون باسترجاع الأرباح غير المشروعة وتسديد الخسائر منها».

وشدد سليمان على أن «الأزمة جرى فيها إعادة توزيع ثروة عبر إفقار شريحة كبرى وإثراء شريحة أخرى».

«الهندسات المالية» والحقائق المخفية

توقف سليمان عند تقرير شركة التدقيق المالي «ألفاريز أند مارسال» بعد خروج حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة من منصبه، مشيراً إلى أن «العملات الأجنبية في مصرف لبنان، تراجعت بنسبةٍ كبيرةٍ، في الفترة ما بين 2015 حتى 2020»، لافتاً إلى أن المصرف «انتقل من فائض العملة الأجنبية البالغ 7.2 مليارات دولار أميركي، قبل عام 2015 إلى عجز بلغ 50.7 مليار دولار أميركي في نهاية عام 2020».

وتابع: «انخفضت الأصول بالعملات الأجنبية بنسبة 18 في المئة، وانخفضت الأصول بالعملات الأجنبية المحتفظ بها في الخارج، من 35.8 مليار دولار أميركي في عام 2015 إلى 18.4 مليار دولار أميركي في عام ٢٠٢٠».

وأضاف: «كلفة الهندسات المالية بلغت 76 مليار دولار بحسب التقرير، لكن مصرف لبنان لم يعترف إلا بـ 56 ملياراً فقط»، مشيراً إلى أن هذه الكلفة «استفادت منها المصارف في الدرجة الأولى، وكبار المودعين وكبار المستثمرين الماليين بدرجة أقل، وأتت تلك الكلفة في نهاية الأمر على حساب المودعين».

وقال سليمان: «زعم رياض سلامة أنه لجأ الى الهندسات المالية من أجل تصحيح العجز في ميزان المدفوعات، وهو زعم ثبت بطلانه، كما ثبت أن هذه الهندسات فضلاً عن ارتفاع كلفتها، كانت مضخة مالية لسحب الودائع بالدولارات الحقيقية، وسرقتها وتحويلها لصالح حسابات لدولارات وهمية (لولارات)، تم قيدها في حسابات أهل المنظومة السياسية والطائفية الحزبية وأصحاب المصارف وإداراتها، ثم تم تهريبها إلى الخارج، في عملية بونزي سكيم ponzi scheme».

وأوضح: «تقدر قيمتها في الفترة بين ٢٠١٥ و٢٠٢٠ ب ٣٨ مليار دولار أميركي… ويضاف إلى ذلك حوالي ٧ مليار دولار أميركي أخرجتها المصارف بعد أن قيدت في حساباتها أرباحاً (وهمية) وجعلتها استثمارات خارج لبنان».

أسئلة حول حتمية الانهيار

طرح الدكتور سليمان سلسلة أسئلة حول طبيعة وحتمية الانهيار، قائلاً: «هل كان الإنهيار الاقتصادي حتمياً؟ وإذا كان لا بد أن يحدث انهيار، هل كان قدراً أن يكون هذا الانهيار شاملاً كاملاً، بحيث نشهد في وقت واحد وبدفعة واحدة؛ انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية، وتدني القدرة الشرائية لأصحاب الأجور، وامتناع الدولة عن تسديد ديونها بعد تفاقم مديونيتها، وإفلاس النظام المصرفي وتوقفه عن الدفع بعد نضوب سيولته النقدية، وانهيار إدارات الدولة وملاكاتها، وتوقف الخدمات العامة، وإصابة أنظمة الصحة والاستشفاء والتعليم بالشلل والعجز؟».

وأضاف متسائلاً: «هل كان ممكناً حصر الأزمة في جانب واحد والحيلولة دون شمولها كل ناحية أو قطاع؟ وإذا كان لا يمكن تفادي الانهيار المالي ومنع حدوثه، ألم يكن ممكناً على الأقل محاصرة أضراره وتقليص خسائره؟».

من الحضور في الندوة

غياب المساءلة وتواطؤ المنظومة

تطرق سليمان إلى غياب أي خطة جدية من قبل السلطة، وقال: «لا تريد المنظومة خطة سالازار ولا تلتزم مطالب صندوق النقد الدولي. إذن أية خارطة طريق للخروج من الأزمة تطرحها المنظومة الحاكمة؟». وأضاف: «لا تكتفي المنظومة باستدامة الأزمة والتكسب منها، بل تدير لعبة الإفلات من المساءلة والعقاب… وكل هذه الكارثة يحاولون قيدها ضد مجهول!».

وتحدث عن أوليغارشيا المصارف قائلاً: «تتستر بثوب البراءة خداعاً ونفاقاً، على الرغم من انكشاف فضيحة شركة فوري التي أظهرت استيلاء الحاكم وأخوه وعائلته ومحظياته على مئات ملايين الدولارات كأرباح وساطة بينه وبين منصبه الوظيفي».

وأشار إلى منصة «صيرفة» التي «بلغ حجم التداول فيها أكثر من ٢٤ مليار دولار أميركي، وألحقت خسائر في رصيد مصرف لبنان ما يقارب ٢ مليار دولار أميركي، ذهب القسم الأكبر منها إلى جيوب النافذين في حاشية أحزاب السلطة ورموزها».

وشدد على أن «هناك خمسة بنوك على الأقل ليس لها ديون على الدولة أو أن حجم ديونها لا يتعدى ١٠% من قيمة ودائعها… مع ذلك تمتنع هذه المصارف عن القيام بالتزاماتها تجاه مودعيها… في حين يتلكأ القضاء عن إحقاق العدالة بشكل يثير السخرية وبلغ درجات الغضب».

تهريب الأموال واستثمار المصارف بالخارج

لفت سليمان إلى أن تهريب الأموال لم يتوقف حتى مع بداية الأزمة، قائلاً: «استمر تحويل أموال بعض النافذين إلى الخارج خلال الأشهر الستة الأولى من ٢٠٢٠، وهناك تقديرات تشير إلى هروب أو تهريب ودائع ورساميل بنحو 42 مليار دولار خلال ثلاث سنوات ٢٠١٨ و٢٠١٩ و٢٠٢٠».

وأضاف: «بين عامي 2014 و2021، قامت المصارف اللبنانية بتوسيع استثماراتها الخارجية عبر فروع وشركات تابعة ومكاتب تمثيلية في عدة دول. بحسب المعلومات المتوفرة، بلغت قيمة هذه الاستثمارات حوالي 4.5 مليارات دولار».

وأكد أن «موجودات القطاع المصرفي اللبناني خارج لبنان، يتوجب أن تخضع لتدقيق جنائي ومساءلة، لأن ما سمي أرباحاً حولت إلى استثمارات في الخارج، لم يكن إلا طريقة أخرى لسرقة ودائع العملاء».

الحل المقترح: العدالة والمحاسبة

قدم الدكتور سليمان رؤية عملية للخروج من الأزمة المالية، مشيراً إلى ضرورة الجمع بين الحل الجنائي والمالي والمصرفي والإداري، قائلاً:

  • «الحل العادل والممكن والمنصف والمطلوب، يتضمن جوانب وأبعادا مختلفة من القضائي الذي يستند الى تدقيق جنائي في حسابات كل المصارف ودفاترها وتحويلاتها، إلى البعد المالي النقدي، إلى الإصلاح في مرافق الدولة وتحسين عائداتها».
  • «الحل المصرفي… حل سهل يرتكز على الحكم الذي أصدره القضاء الأميركي الفدرالي في قضية ponzi scheme مادوف».
  • «يتم اعتماد الفصل في كل حساب مصرفي لأي زبون متعامل معه، بين الدولار الحقيقي والدولار الوهمي ابتداءً من تاريخ ١/١/٢٠١٥، الدولارات الحقيقية هي الرصيد بتاريخ ١/١/٢٠١٥، وكل ما أضيف إليها من أرصدة ليست ناتجة عن الفوائد. أما الأرصدة والدولارات الناتجة عن الفوائد فتسجل ك(لولار)».

وأكد أن هذا القرار «سيسترد ما لا يقل عن 32 مليار دولار، فتشطب ثلاث مرات؛ واحدة من عجز الخزينة لدى مصرف لبنان، وثانية من الفجوة في مصرف لبنان وديونه لدى القطاع المصرفي، وثالثة تخفض البنوك مطلوباتها من مودعيها بالرقم نفسه».

وأشار أيضاً إلى ضرورة إعادة رسملة المصارف وإصلاح القطاع العام وضبط المعابر الجمركية، إلى جانب الاتفاق مع صندوق النقد الدولي واتباع خطة إصلاحية شاملة.

فيديو الندوة يتحدث فيه سليمان والدكتور توفيق كاسبار
السابق
القاضية صفير حددت 12 حزيران المقبل موعدا لجلسة في قضية لقمان سليم
التالي
تجميد مفعول تراخيص حمل الأسلحة في محافظتي الجنوب والنبطية