حين يرحل البابا: موت الكرسي أم موت الكلمة 

 لا تموت الكلمات، لكنها تُصاب بالوهن عندما يموت من رفعها على المنابر المقدَّسة.

رحل البابا، ووقف العالم لحظة، كما يفعل عادة، احتراماً لصوتٍ كان يوماً يُخاطب الله باسم البشر، لكن السؤال الحقيقي لا يُطرح على شفير المذبح، بل في الأزقة الخلفية للعقيدة.

هل كان البابا يحمل الله، أم كان الله يحمله؟ هل كان الكرسي الرسولي موصولاً بالسماء، أم كان فقط مقاماً دنيوياً يُدار بلباسٍ أبيض…

دأب البابا فرنسيس في عظاته على الدفاع بشدة عن العدالة الاجتماعية، منتقداً الحكومات التي تتقاعس عن الاهتمام بالفئات الأشد فقراً في المجتمع. وقال يوما ما: “نعيش في أكثر مناطق العالم تفاوتاً، شهدنا أعظم معدلات النمو، لكننا لم نحقق سوى أدنى حد من تقليص البؤس”.

رحل الرجل، روما تُضيء أم أن وهجها بات مجرد طقوس لا تنقذ العالم من ضياعه؟ وهل كان الصوت البابوي صوت سلام، أم صوتاً حائراً في زحمة الدماء. لا يُسمع إلا في أروقة “البروتوكول”؟.

في زمننا هذا لم يعد رجال الدين أنبياء، بل مدراء لحسابات السماء على الأرض. يتفاوضون على “الحق” كما تتفاوض الدول على النفط والغاز.

فماذا يخسر العالم اليوم؟ رجلاً  آخر يرتدي “القداسة” أم مسرحاً يُغلق ستاره ببطء لأن الجمهور فقد الإيمان بالممثلين؟

 ربما مات البابا، لكن الذي يحتاج تأبيناً حقاً هو موقع “الضمير الديني” في عالم تشيَّأ حتى الروح فيه، وباتت المعجزات تُصنَّع رقميَّاً، والإيمان يُقاس بنسبة “اللايكات”.

فلنترحَّم لا على البابا وحده، بل على فكرة أن للمدرسة وزناً حين تُقال بصوت رجل، هذه الكلمة التي قالها البابا، ربما كان يظنها الحقيقة، بينما كان الزمان يكتب تاريخاً آخر، تاريخ موت الصوت الديني حين يفقد معناه. فمن يعيد الله في زمن الزعماء؟ من ينحني لمرجعيةٍ في زمن الأنانيات؟ ومن يُصدِّق أن للقداسة قيمة في عالم تمتهن فيه الكلمات؟

ليكن موت البابا درساً في أن الكلمات التي تُقال بصوت رجل لا يمكن أن تُصنع بالسلطة، ولا يمكن أن تُباع في أسواق السياسة..

لنترحم على العالم الذي كان، وعلى الفكرة التي تاهت بين الحبال، بين السياسة والدين، بين الزعماء والرعاة..

لروحه الرحمة والسلام..

اقرا ايضا: بعد صراع طويل مع المرض: الفاتيكان يعلن وفاة البابا فرنسيس.. وهذه ابرز محطات حياته

السابق
الفاتيكان يكشف سبب وفاة البابا فرانسيس
التالي
40 غارة أميركية على صنعاء.. نتنياهو يهدد الحوثيين بـ«رد قوي»