انتهت البارحة مراسم عزاء الصديق الاستاذ احمد محفوظ، ولم تنته معها ذكريات جمعتني كما جمعت كثيرين غيري بالصديق احمد. ولعل البعض يتساءل عن سر هذا الاهتمام والتقدير للعزيز احمد. فينسب البعض تلك ( الشعبية) لتواضعه واهتمامه بالجميع، ولتاريخه الرياضي والثقافي الحافل، من نادي التضامن إلى منتدى صور الثقافي، مرورا بتدريس الرياضة في مدارس صور الرسمية. وهذا بلا شك تقدير صحيح، ولكن تاريخه مليء بأحداث اخرى أرى انه من المفيد الاطلاع عليها.
الاستاذ احمد كان من ناشطي حركة القوميين العرب كفرد وعائلة وخاصة مع اخيه علي، ابو خالد في مرحلة كان انتماء العائلات إلى أحزاب معينة يتم بالجملة، ثم كان من اوائل المنحازين لليسار الجديد عبر التحاقه بمنظمة الاشتراكيين اللبنانيين، والتي أصبحت منظمة العمل الشيوعي. وخلال فترة الحرب الاهلية كان عضوا في المجلس السياسي الإقليمي لقضاء صور وكان مسؤولا عن ملف المهجرين من الشريط الحدودي، حيث نسج مع مسؤولي الصليب الاحمر الدولي أفضل العلاقات وأثبت جداريه وامانته في تنفيذ هذه المهمة، ولم يقع يوما، كما هو دارج اليوم، في مطب تمرير اي مساعدة غير مستحقة لقريب او صديق، بل كان قاطعا كالسيف في تنفيذ هذا الواجب. كان يقدم الجداول بأسماء العائلات المهجرة وعدد أفراد كل اسرة ومكان لجوءها بكل دقة، جعلت الصليب الاحمر الدولي يعتمد عليه وعلى بعض مساعديه في الإحصاء والتوزيع. ولعل اكثر ما زاد من ثقتهم به هو ارجاعه إلى مخازن هذه المؤسسة الدولية عند كل توزيع للمساعدات إلى عدد من الحصص التموينية التي كانت تفيض عن الحاجة مما اضطرهم إلى سؤاله حول الموضوع وثم شرحوا له ان بضعة الحصص الفائضة تلك قد تركت قصدا كي يتصرف بها حسب الحاجة والضرورة، ولكنه كان دائما دقيقا في التوزيع، لدرجة ان كشوفاته كانت تمر عندهم بلا نقاش او مراجعة. وكذلك كان يحظى بثقة جميع المهجرين واحترامهم.
إقرأ أيضا: المدينة بين ثراء الغرباء والذعر من التوطين
كان مناصرا للقضية الفلسطينية وغير ساكت عن التجاوزات الحاصلة فكان خير داعم وناقض لمسيرتها.
مساوات الذكر بالانثى عنده لم تكن ادعاء، بل كانت ممارسة. فتربيته لأولاده خضعت لهذا الاعتبار ،وكذلك في فرض هذه المساواة في حصصه الرياضية في المدارس حيث كان يرفض أي حجة لأي طالبة لعدم ممارستها الرياضة وهذا كان يسبب له بعض المواجهات والاعتراضات، دون أن تؤثر عليه.
حبه للرياضة وللرياضيين غير محدود. كان يسأل من يلتقيهم يوميا عن مزاولتهم لرياضة المشي ويحثهم على اتباعها ولا يقبل اي عذر للتخلف عنها، وكانهم جميعا ( عمال مشي لديه) .
وللعزيز احمد صفة نادرة، وربما كان يتمتع بها وحده في المدينة، وهي قدرته على مصاحبة كل الأجيال. فهو كان صديق اخي الأكبر, والذي يكبرني بجوالي أربعة عشر عاما، وثم انتقل الى صداقة اخوتي الأصغر سنا، وتدرج وصولا لي ، ثم الى اخوتي الاصغر، وقد وصل إلى لجيل الأصغر ضمن العائلة. هذه القدرة على فهم والتواصل مع مختلف الأجيال مدعاة للاستغراب والتقدير. ولا شيء يضاهي هذه القدرة على التواصل والتفاعل مع مختلف الأجيال كما التفاعل مع مختلف الآراء ،الا قدرته على انتزاع الفرح من وسط المرض والألم. فتراه وهو يمانع ملازمته للسرير، بسبب كسر في ساقه ويحاول النزول عنه دون أن نمكنه من ذلك، لينتقل إلى الغناء والفرح.
إقرأ أيضا: سيناريو مخيف.. عاصفة شمسية تهدد الأرض في أي لحظة
هذا بعضا من احمد محفوظ، فلا عجب في ان يصلي على جثمانه رجلا دين، سني وشيعي، وأن تكون جنازته حاشدة وتضم مختلف فئات الناس المذهبية والعمرية، والمهنية من لبنانيين وفلسطينيين وأن يشارك الناس بكافة في العزاء وحضور الختمة. للفقيد الرحمة ولعائلته ومحبيه العزاء.

