شيعة لبنان: كيف صار الفقيه هو «السلطان».. المعصوم

التجربة الشيعية في لبنان غنية وحُبلى بالأحداث والتبدُّلات، كغيرِها من تجارب الطوائف الأخرى في لبنان. بيدَ أنَّ التجربة الشيعيَّة اللبنانيَّة الحديثة تبقى بلا ريبٍ من الأغنى في المنطقة والأكثر تنوُّعًا. سواءٌ من حيث تعاطيها مع الإشكاليات المُعاصرة لها أو من حيث إشكالياتها الخاصة. ولعل أبرز ما يواجه هذه الطائفة اليوم هو إشكالية الهوية والدولة.

تحت عُنوان “الشيعة بين الهوية والدولة”، عقد الدكتور وجيه قانصو ندوةً بالتعاون مع موقع جنوبية، وبحضور نخبة من الناشطين وقدم اللقاء واداره علي الأمين، الذي اشار الى سلسلة ندوات ستقام اسبوعيا تتناول المسألة الشيعية في ظل التحديات لبنانيا واقليميا.
ثن تناول قانصو عنوان الشيعة بين الهوية والدولة مشرحا فيها فيها هذه الإشكالية مقسِّمًا حديثَه إلى أقسامٍ ثلاثةٍ:

بدايةً، عرَّف الدكتور قانصو الهوية والدولة وحدَّد العلاقة التي تربطهما. فالهوية، من حيثُ هي، تركِّزُ على الذَّاتي، أو على الـ “نحنُ” بتعبير قانصو، وهي تُحدِّدُ نفسَها وتُحدِّدُ الآخرين أيضًا. فالهويَّةُ هي “سقف ذاتِها” ولا تستطيع أن تقدِّم ما يجمعها مع الهويات الأخرى، وبالتالي فإنَّ علاقتها مع غيرِها هي علاقة نَفيٍ. والهوية تُلغي التَّمايزَ الفرديَّ داخلَها، فموقفُ الفرد منها واحدٌ من اثنَيْن: إمَّا أن يأخذها كلَّها وإمَّا أن يتركها كلَّها.

الهويَّةُ هي “سقف ذاتِها” ولا تستطيع أن تقدِّم ما يجمعها مع الهويات الأخرى

أمَّا الدَّولة، فقدَّم قانصو آخر التَّعريفات التي وصلَ العقلُ الغربيُّ إليها. فعرضَ تعريفَيْ هيغل الفلسفي وماكس فيبر السوسيولوجي. فالدَّولةُ كائنٌ شموليٌ يقومُ على مبادئ يُحدِّدُها العقل، بعكس الهوية التي تقوم على “تجارب حياتية” بحسب قانصو. الذي يؤكِّد أنَّ للدولة سماتٍ أساسيَّةً، لعلَّ أهمها “مركزية القهر” بحسب تعبير ماكس فيبر والذي يعني، في ما يعنيه، ألَّا يكون هناك إرادة فوق إرادة الدولة ولا حتى إلى جانبها. من هنا، يوضح قانصو أنَّ الدولة إطارٌ عامٌ يقوم على المشتركات ويجمع تحته الهويات المختلفة التي تقوم على التمايز.

من ظاهرة إلى فرقة إلى مذهب

في القسم الثاني تناول قانصو “المسألة الشيعية والسلطة”. فعرضَ مسارَ تطوُّرِ المذهب الشِّيعي من ظاهرةٍ سياسية في زمن الإمام علي بن أبي طالب، ثمَّ إلى فرقةٍ مُنكفئةٍ عن المجال العام بعد حادثة كربلاء وصولًا إلى تحوُّلِها إلى مذهبٍ بدأتْ معالمُ تأسيسِه تتشكَّل بعد وفاة الحسن العسكري، الإمام الحادي عشر عند الشيعة الإثنَيْ عشرية. ومع القرن الهجري الخامس، والذي شهد بلوغ العقل الإسلامي ذروتَه، بدأ المذهب الشيعي بالخروج من العزلة والغلو وصارَ قابلًا للتداول بين المذاهب الإسلامية الأخرى حيث صارت له آراؤه العقدية والفقهية. بخاصة بعد التأسيسات التي وضعها الكُليني في موضوع الأحاديث المسندة، والشريف المرتضى الذي أسس للمبنى العقائدي الشيعي مستندًا على القواعد العقلية التي وضعها المعتزلة، والطُّوسي الذي أسس للفقه الشيعي مستندًا على آليات الاستنباط التي أخذها من الفقه السني.

وعرض الدكتور قانصو للمسألة السياسية عند الشيعة مُفصٍّلًا في آراء الفقهاء التي بدأت بالانكفاء عن السلطة في عصر الغيبة والتعامل بواقعية مع الحكم القائم، ويمكن تلخيص ذلك بالقول: الشرعيات للفقيه والعُرفيات للسلطان. ثم عرض للحركة المشروطة التي قامت في إيران وأحدثت نقاشًا سياسيًا أكَّد على أنَّ الأمور السياسية والمالية وغيرهما ليست من اختصاص الفقيه أبدًا.

الخمينية: السلطان هو الفقيه “المعصوم”

أمَّا القسم الأخير من الحديث فكان عن اللحظة المفصلية في تاريخ التَّشيُّع التي شكَّلها وصول الخميني إلى السلطة في إيران عام 1979 وعملِه على “إعادة تعريف التشيُّع” وخلق تشيُّعٍ جديدٍ جعل من المسألة السياسية مسألة دينية، عبر إعادة إحياء نظرية ولاية الفقيه التي تُعطي للفقيه سلطةً إلهيَّةً مطلقة مُقتبسًا قولَ الخميني بأنَّ للفقيه كُلَّ ما للإمام والنَّبيِّ. وختمَ قانصو عرضَه بسردٍ تحليليٍّ لانعكاس ولاية الفقيه في لبنان عبرَ حزب الله الذي فشلَ في خلق جمهورية إسلامية في لبنان كما كان يُنظِّر، لكنَّه عملَ في المُقابل على خلق حيثيات اجتماعية، ثقافية وعسكرية أدَّت إلى خلق فواصل عميقة بين أنصار حزب الله واللُبنانيين، ومنهم الشيعة المتمايزون عن حزب الله. وهذا يعود إلى أنَّ حزب الله أعادَ إنتاج الهوية الشيعية بما لا ينسجم مع فكرة الدولة من جهة، وبما لا يشبه الهوية الشيعية التي كانت في حقيقتها هويةً ثقافيةً. إضافةً طبعًا إلى ما عمِدَ إليه حزب الله من تجميدٍ للدينامية التي كانت موجودة في الحياة السياسية للشيعة قبل هيمنة الحزب عليها.

حزب الله أعادَ إنتاج الهوية الشيعية بما لا ينسجم مع فكرة الدولة من جهة، وبما لا يشبه الهوية الشيعية التي كانت في حقيقتها هويةً ثقافيةً

حزب الله الغريب…

من هنا ظلَّ حزب الله بثقافته وهويته الشيعية الجديدة غريبًا على المجتمع اللبناني وعلى الشيعة أنفسِهم، بينما نجد أن ولاية الفقيه في إيران تصالحت وتأطَّرت مع الدولة الإيرانية والهوية الفارسية. ومن هنا، يدعو قانصو في سبيل طرحها حلًا لهذه الإشكاليات إلى أمرين متلازمين: بناء الدولة وتحرير الدينامية من أسرِها.
إنَّ الإشكالية الخطيرة التي طرحها الدكتور قانصو تُشكِّلُ نُقطةَ انطلاقٍ لأيِّ مشروعٍ إصلاحيٍّ في لبنان، أو في غيرِها. إذ أنَّ إشكالية الهوية والدولة لا تعني طائفةً وحدَها. فهذه الإشكاليةُ هي، بصورةٍ أو بأخرى، نفسها إشكالية “الأنا والآخر” الضروريَّة والمُلحَّة علينا!

وفتح نقاش شارك فيه

الوزيران السابقان ابراهيم شمس الدين وحسن منيمنة، الاساتذة: ساطع نور الدين، د. منى فياض، مالك مروة، د.علي مراد، د. علي خليفة، محمد بركات، المحامي محمد مطر، يوسف الزين، وسيم غندور، احمد عياش، المحامية حنان جواد، د. داوود فرج، ياسين شبلي، نجيب العطار، جاد الأخوي.

السابق
خامنئي في المأزق: المفاوضات كمرآة لضعف النظام
التالي
خاص: «الحزب» في ولادة جديدة «مرغمًا»: عصيان ثم رضوخ من جنوب الليطاني إلى شماله