«مؤتمر المصارحة»..هل آن أوان الحقيقة في لبنان؟           

في خضم المشهد اللبناني المكلوم والمأزوم، حيث تتراكم الأزمات فوق الأزمات، يطل خطاب يحمل في طياته بادرة أمل وبصيص نور في نفق لبنان المظلم، أو على الأقل نافذة للحوار، ألقاه النائب الشيخ سامي الجميل خلال مناقشة البيان الوزاري ـ تصفيق معظم النواب وفي مقدمتهم رئيس المجلس نبيه بري ـ  انطلق الجميل من حقيقة لا جدال فيها: إنَّ كل الأحزاب في لبنان قدَّمت شهداء وقادة ورموزاً، في إقرار ضمني بأن الجراح موزعة بالتساوي على الجميع، وأن الألم ليس حكراً على طرف دون آخر.

لكن الأهم لم يكن مجرد الإقرار بهذه الحقيقة، بل الدعوة إلى ما هو أبعد: (مؤتمر مكاشفة ومصارحة)، يضع الجميع أمام مسؤولياتهم، ليس لمجرد استرجاع الماضي أو تبرير الأخطاء، بل للخروج بمعادلة جديدة تضع الدولة في موقعها الطبيعي، فوق الاصطفافات الطائفية والمذهبية. إن هذه الدعوة رغم واقعيتها، تصطدم بجدار سميكة من انعدام الثقة والخوف من تبعات المصارحة الحقيقية. فهل يمكن لأركان المشهد السياسي اللبناني، على اختلاف توجهاتهم، الجلوس إلى طاولة واحدة، دون أجندات خفية، فقط من أجل بناء دولة لا تكون فيها غلبة طرف على آخر، بل لمن يملك رؤية وطنية جامعة؟

قد تبدو الفكرة مثالية في بلد اعتاد الهروب إلى الأمام، لكن دعونا نسترجع ما قاله أحد مثقفي عائلة النائب الكريم قبل قرن من الزمن تقريبا، “انطون الجميل” ـ 1887 ـ 1948، عندما كتب:”إن الحقيقة التي لا تقال، تظل عبئاً على أصحابها، وإن المصارحة، مهما كانت قاسية، هي السبيل الوحيد للخلاص”…

نحن نتغزَّل بالحرية صُبح مساء، ونشدو بالاستقلال، فننظم القصائد الغرَّاء، ولكنَّ نفوسنا عند الغاية غير حرَّة، فنحن عبيدٌ أرقَّاء، أما الأجداد والآباء، فلربما جهلوا ما نعرف عن الحرية والاستقلال من الأوصاف والأسماء، ولكنَّ نفوسهم كانت طاهرة كنصل السيف، حرَّةً كالهواء أو كنسر السماء، لم أقصر كلامي على طائفة دون غيرها قصدَ الأَثرَة والتحزُّب، بل رغبة في إصلاح المجموع من وراء الأجزاء، فإنَّ علينا، عدا ما قدَّمت، واجبات أخرى نحو إخواننا سائر الطوائف، فيجب أن نتعهَّد علاقاتنا بهم بالإخلاص والوئام، والإخاء التام، فنمدَّهم بما يصلح عندهم، لنسير جميعاً يداً واحدةً إلى الكمال النفسي والتفوُّق العقلي، لخير الفرد وخير الجماعة..”.

ربما لم يتغيَّر الكثير منذ ذلك الحين، لكن الفارق اليوم أن الأزمات لم تعد تحتمل التأجيل، ولم يعد الوطن يحتمل أنصاف الحلول. فهل نمتلك الجرأة لتكرار ما دعا إليه “أنطون الجميل” منذ زمن، ولكن هذه المرة، ليس على الورق فقط، بل في قاعة يجلس فيها الجميع، قاعة عنوانها الوحيد: “الصراحة قبل المصالحة”؟

السابق
من هو مقداد فتيحة «مُشعل» تمرّد القرداحة: من الحرس الجمهوري إلى زعيم ميليشيا «درع الساحل»
التالي
قطاع غزة واحتمالات محاكاة النموذج اللبناني