“في وقت الخداع العالمي، يصبح قول الحقيقة عملاً ثوريّاً”. في رواية “1984” يصور الروائي الشهير جورج أورويل دولة شمولية متخيلة، يحكمها ديكتاتور يدعى “الأخ الكبير”، وهو معصوم عن الخطأ ويتمتع بقدرات مطلقة، وكل نجاح وكل إنجاز ينسب إليه..
إحدى أخطر مآسي ومهازل لبنان، كان ومازال بسبب ان رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي، الجالس منذ التسعينات على خنّاق المجلس النيابي
يجب على كل مواطن ان يكون جريئاً في عقله، وفي تفكيره، وفي قناعاته، وفي قراراته، وفي مواقفه… ما يسمى “أمر واقع”، أو سلطة الأمر الواقع.. الذي تجلى أستعمال هذا المصطلح تاريخيًا في مجالاتٍ متنوعة، وأزمنة تاريخية وأماكن متعددة لا سيما في الشؤون القانونية والسياسية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك ما شهده الإتحاد السوفييتي، حيث هيمنت اللغة الروسية على الحياة العامة في جميع الجمهوريات السوفييتية، رغم أنها لم تكن معتمدة رسميًا كلغةٍ رسمية. وأستمر هذا الوضع حتى الرابع والعشرين من أبريل عام 1990، حين أُقرت اللغة الروسية قانونيًا، وإن كان ذلك لفترةٍ وجيزة قبيل إنهيار الإتحاد السوفييتي الذي اخذ الطابع الستاليني لعقود وعقود، في بلاد بوشكين و تولستوي و ديستويفسكي…
يجب على كل مواطن ان يكون جريئاً في عقله، وفي تفكيره، وفي قناعاته، وفي قراراته، وفي مواقفه
على سبيل المثال ايضا، وفي حالة غير اعتيادية، فإن رئيس كوريا الشمالية السابق كيم إيل سونغ، الذي فارق الحياة في 8 يوليو 1994، لايزال رسميًا وبحكم الدستور في بلاده “الرئيس الأبدي لجمهورية كوريا الشمالية”، لذا فجميع الحكام اللاحقين لكوريا الشمالية ومنهم كيم جونغ إل “فنيا”، هم بحكم الأمر الواقع قادة البلاد أو رؤسائها…
إقرأ أيضا: جريمة مزرعة يشوع المروّعة تظهر بالفيديو.. هكذا تم تعذيب الضحية
نعم، الأنظمة العقائدية المترابطة، على النحو الآتي الذي يقول: “يجب الحفاظ على خلود العائلة و الحزب والمقاومة والثورة من خلال سلالة العائلات الممانعة وأحزابها التوليتارية الحاكمة”. وعلى عكس الدول الشيوعية الأخرى في العالم تاريخيًا، فإن الحكم في كوريا الشمالية يأخذ طابعًا ملكيًا على الأقل، من حيث التوارث والبقاء في السلطة الأبدية….
المشكلة ليست في الافتقار إلى الحلول، بل هي في الافتقار إلى الإرادة السياسية لتبنّي الحلول التي لدينا بالفعل
وخلال فترة الثلاث سنوات الانتقالية بعد وفاة الأب القائد المؤسس، فقد حكم الراحل “بواسطة ما أطلق عليه اسم “حكم التركة”. فإنه ما زال “يسود” كرئيس “خالد” حتى في عهد أبنه كيم جونغ إيل سابقًا، وحفيده الأعظم في هذه الأيام كيم جونغ أون الأوحد، زعيم كوريا الشمالية منذ “نعومة” أظفاره… والقائد الأعلى منذ سن المراهقة والتسلية بالشعب الكوري الشمالي… وزعيم حزب العمال الكوري منذ عام 2012. وهو الابن الثالث لكيم جونغ إيل (القائد الأعلى الثاني لكوريا الشمالية)، وحفيد كيم إيل سونغ (المؤسس وأول قائد أعلى للبلاد)… الذي “تقدس سرّه” تم حفظ جثته المحبوبة والمقدسة لأربعين مليون من الشعب الكوري “في قصر الرئاسة بالعاصمة بيونغ يانغ “المقدسة”..!
تعزيز الإرادة السياسية لتنفيذ الإصلاحات يتطلّب ضغطاً عامّاً، وقيادة قويّة ملتزمة، وبناء تحالفات، والفرص التي تحرّكها الأزمات، ومشورة تقنيّة سليمة
“تمر معظم أوقات الحياة، والناس تقول لم يحن الوقت بعد، ثم فات الأوان”. ذكر الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1988 أمارتيا سين عن حقّ إنّ “المشكلة ليست في الافتقار إلى الحلول، بل هي في الافتقار إلى الإرادة السياسية لتبنّي الحلول التي لدينا بالفعل”. وتعرَّف الإرادة السياسية بأنّها “مدى التزام صُنّاع القرار الرئيسيّين بحلّ معيّن لمشكلة معيّنة، وهو ما يجعل هذا الحلّ مستداماً على مرّ الزمن”. كما أنّ تعزيز الإرادة السياسية لتنفيذ الإصلاحات يتطلّب ضغطاً عامّاً، وقيادة قويّة ملتزمة، وبناء تحالفات، والفرص التي تحرّكها الأزمات، ومشورة تقنيّة سليمة.
القاعدة المنطقية تقول استدل ثم اعتقد، لكن قلب القاعدة وأفرز صنفا من الناس يبنون نظريات وقرارات قد تكون مصيرية أحيانا، بناء على اعتقاد منفلت من أي أدلة، ثم يبحثون في فتات المعرفة على أدلة يمكن أن تصلح لتقوية آرائهم… المقصود بها استصنام الأفكار وعبادتها، حتى تغدوا غير قابلة للمناقشة؛ بله التغيير والدحض، وتلك عقدة ومرض في النفس، أن لا يناقش الإنسان معتقداته ولا يعرضها على الدليل بين الفينة والأخرى، فالكرة التي لا تقوم على أي دليل هي خرافة حري بالمرء أن يتخلى عنها.
ما الذي يجعل إنسانًا يتمتع بكل القدرات العقلية، أن يتعصب لفكرة ما أشد التعصب، ولا يقبل حتى مجرد النقاش؟ ألم يعد هذا الشخص الذي سيطرت عليه هذه الفكرة إلى هذا الحد سجين لها؟
كتاب “البرزخ – أيامٌ لوطنٍ لم يأتِ بعد”، الذي يكشف فيه رئيس البرلمان اللبناني نبيه برّي، على لسان تلميذه النائب علي حسن خليل، في استنساخ مشوه، لحوارات المعلم الاول للإنسانية الفيلسوف سقراط وتلميذه الكبير الفيلسوف افلاطون صاحب كتاب الجمهورية، جانباً من أبرز التطورات التي شهدها لبنان بين عامي 2006 و2008، دون إن يذكر هذا الكتاب ان إحدى أخطر مآسي ومهازل لبنان، كان ومازال بسبب ان رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي، الجالس منذ التسعينات على خنّاق المجلس النيابي، والبلد بكل ما تعنية المسائل الوجودية الضرورية في بناء الأوطان من معنى وطني أو معنى… أما مسألة “البرزخ”، فليسمح فيها دولة الرئيس، الذي تجاوز عمره عمر لبنان السياسي، الذي انطوت فيه أجيال وراء أجيال من القهر والتسلط والفوضى السياسية… لقد عاش (دولة الرؤساء) على مدى عصور ومراحل وحقبات أطول من عمر لبنان الافتراضي في مفهوم النظرية الكمية.
هذا دون الغوص في أعماق بحور ومحيطات “سمفونية الثنائية الجديدة”.. أو (الثنائي المُوقّع مع الموقعين الاخرين على ال1701+ لوقف إطلاق النار 60 يومًا)… نعم، سمفونية “ربحت المقاومة” التي في مكان.. والأوركسترا في مكان.. والجمهور النازح من مكان الى مكان… وفق التالي:
– “ربحت المقاومة” فرض وقف اطلاق النار على العدو ،بسبب صمود المقاومين الأسطوري، والذين منعوا العدو طوال 60 يوماً من التوغل حتى الليطاني.
غاب عن ذاكرتكم “المتواضعة” أيضًا الكثير الكثير من الانتصارات التي لا تعد ولا تحصى.. وهاكم بعضها القليل القليل: انتصاراتكم في عدم التعاون مع القضاء والمحكمة الدولية في مقتل رفيق الحريري ورفاقه
– “ربحت المقاومة” وأهلها المعركة السياسية ومعركة الصبر الشجاع والعاقل طوال هدنه الخداع 60 يوماً، وكشفوا عورات عجز الدولة والمجتمع الدولي، وحلفاء اسرائيل في لبنان، وبرهنت لأهلها انه لا يمكن حماية الجنوب ،إلا بالمقاومة .
– “ربحت المقاومة” وأهلها معركة فرض إنهاء هدنة الخداع، عبر المقاومة المدنية السلمية الشجاعة والكربلائية، واسقطت إنذارات وتحذيرات العدو والقوات الدولية، وحرّرت أكثر من 20 قرية وكسرت قراره وهيبته…
– “ربحت المقاومة” مع ان الثمن كان غالياً أيضاً، ومع ذلك لم يتراجع المقاومون المدنيون ،فتدخّلت أميركا لإنقاذ هيبة العدو وطمأنة أدواتها في لبنان الذين غضبوا اكثر من العدو يوم أمس، فسارعت اميركا لتمديد الهدنة حتى 18 شباط، كحل وسط بين المقاومة وأهلها الذين يطلبون الإنسحاب الفوري للعدو، والطلب الاسرائيلي بالتمديد 60 يوماً، كمرحلة أولى .
غاب عن انتصاراتكم أيضًا اغتيال ضباط و محققين و نواب ووزراء… و انتصاراتكم في السابع من ايار يوم إجتياح بيروت واستباحتها
– “ربحت المقاومة” يوم أمس في يوم المقاومة المدنية بإثبات ان المعركة ليست مع اسرائيل وحدها، بل ان المعركة مع اميركا، وعندما عجزت اسرائيل عن حماية قرارها، استغاثت بالبيت الابيض الذي طلب تمديد هدنة الخداع، لحفظ ماء وجه العدو وجيشه ،فوافقت الحكومة اللبنانية بالإكراه.
غاب عن ذاكرتكم “المتواضعة” أيضًا الكثير الكثير من الانتصارات التي لا تعد ولا تحصى.. وهاكم بعضها القليل القليل: انتصاراتكم في عدم التعاون مع القضاء والمحكمة الدولية في مقتل رفيق الحريري ورفاقه.. وغاب عن انتصاراتكم أيضًا اغتيال ضباط و محققين و نواب ووزراء… و انتصاراتكم في السابع من ايار يوم إجتياح بيروت واستباحتها… والهيمنة على الدولة والحكم والمؤسسات كلها.. و انتصاراتكم في الهيمنة على وزارة المالية وأموال الدولة… و انتصاراتكم في تعطيل رئاسة الجمهورية.. ووضع اليد على الحكومة وتصريف أعمالها… وانتصارات تجارة ال(….) وتجارة ال(….)! وحروب عبرا وطرابلس وغيرها.. وكلها انتصارات على الشعب اللبناني واللبنانيين أجمعين… وانتصاراتكم في تعطيل القضاء، في انفجار “بيروتشيما” ثالث أكبر الانفجارات في التاريخ قاطبة، بعد إلقاء القنابل الذرية على هيروشيما و نكازاكي اليابانيتين، في نهاية الحرب العالمية الثانية… و انتصاراتكم في تعطيل القضاء المختص في متابعة التحقيق في هذه الجريمة العالمية المروعة… وفوق ذلك ترفعون راياتكم في هذه الأيام في وجه أهالي كل المناطق، التي حضنتكم في إستفزاز مقصود لترويع وإخضاع اللبنانيين، لما تبقى من الأجندات والرايات والهويات الايرانية المشبوهة!
إقرأ أيضا: خطر كبير يدمّر البشر والبحر.. لبنان أمام معضلة ضخمة بعد الحرب: أين نذهب بالركام؟
التجارب الإنسانية أثبتت أيها السادة، انها ليست الزنازنين المادية وحدها هي ما تسلب الإنسان حريته وتمنعه من التفكير؛ فكم من مثقف؛ كان السجن دافعه إلى الإبداع، حيث لم تمنعه الزنزانة من أن يحلق عاليًا.. فأنتج هؤلاء المبدعون المتحررون فكريًا، أعمالًا خلدها تاريخ الفكر على كل الاصعدة الثقافية… لكن السجناء المتوهمين للحرية… الذين يرددون في ببغائية لفظ الحرية، لكنهم سجناء بجدران رمزية، منعتهم من أن يكونوا أحرارًا؛ فكانوا بحق سجناء في زنازين العقائد المظلمة.. الذي يدعون ويجادلون أشد الجدل، ويخاصمون أشد الخصومة على معتقداتهم التي يظنون أنها الحق المطلق ولا حق سواها.
ترفعون راياتكم في هذه الأيام في وجه أهالي كل المناطق، التي حضنتكم في إستفزاز مقصود لترويع وإخضاع اللبنانيين، لما تبقى من الأجندات والرايات والهويات الايرانية المشبوهة!
ما الذي يجعل إنسانًا يتمتع بكل القدرات العقلية، أن يتعصب لفكرة ما أشد التعصب، ولا يقبل حتى مجرد النقاش؟ ألم يعد هذا الشخص الذي سيطرت عليه هذه الفكرة إلى هذا الحد سجين لها؟ قد يكون الإنسان مصيبا فيما يعتقد وفيما يؤمن به؟ لكن الإنسان الذي يؤمن بناءًا على قناعات مؤسسة على قواعد متينة، يقبل النقاش، بل ويدعو إلى ما يؤمن به بالعقل والعقلانية؟ المشكلة لا تكمن في التعصب للقناعات فقط؛ وإنما تكمن أيضا في النظرة الدونية التي يختص بها سجناء الأفكار خصومهم، والأمر عند التحقيق؛ لا يعدوا أن يكون فكرة بسيطة، زرعت في عقل إنسان، عبر مجموعة من الوسائل التي توظف لغرس الأفكار في العقول، فأصبح المسكين سجينها، كأنه وضع لنفسه سياجا شائكا، وأقنع نفسه بأن العالم هو ما بداخل السياج!

