عقد “منتدى جنوبية” و”أمم للتوثيق والأبحاث”، السبت في 21 كانون الأول 2024، ندوة حوارية بعنوان “دلالات ومآلات الحدث السوري”، في فندق “سمول فيل” في بدارو، حضرها عدد من الباحثين والإعلاميين المهتمين بالشأنين اللبناني والسوري، إلى جانب نخبة من المثقفين والناشطين في الشأن السياسي، وحاضر فيها الكاتب الصحفي حازم صاغية الذي قدمه للحضور الصحافي علي الامين في الجلسة الاولى، والمفكر السياسي الدكتور وجيه قانصو، قام بتقديمه الدكتور مجيد مطر في الجلسة الثانية للندوة.
بداية القى رئيس تحرير “جنوبية” الصحافي علي الأمين كلمة رحب خلالها بالحضور استعرض فيها ما جرى في سوريا، وقال:
“اقتلُع او هوى او تلاشى نظام البعث، او قل نظام عائلة الأسد. حكاية صعود سلطة ونمط من الحكم والسيطرة والنفوذ، وانهيار مدوٍ تحت وقع سيل جرائمه، ونهر الدم المتدفق من جسد الشعب، انهار بعدما استحال الى مجزرة متنقلة مستدامة، وآلة تدمير لا ترعوي ولا تتوقف، سقط نظام الأسد واقتلع من جذوره الضاربة في الأرض السورية منذ أكثر من خمسة عقود، حيث لم يعد القتل يجدي ولا السجون تكفي لنزلاء جدد، ولا التراب كافيا كي يذر المقابر الجماعية، لبشر تحولوا الى ارقام، لعل سوريا بكل من فيها وما فيها، تثاءبت صباح ذاك الأحد، فاشرقت الشمس على بلاد فرّ منها الأسد ، ورفرف الحمام، واشرأبت أعناق السوريين لطيف من الاحلام، وهو يتحق رقصا ودمعا وقهقهة وقبلات.
مقدار الفرح السوري لا يتسع له المدى ولا العالم ، لانه بمقدار الاحزان والآلام والموت، الذي طاف وعمّ على امتداد بلاد الشام، بمقدار سيل دموع امهات الملايين الذين سجنو وفقدوا وقتلوا ، فرح يحتاج الى اعمار وحيوات، كي يتحقق شيء من العدل والانصاف، هذا الفرح وهذه البهجة العامرة في بلاد الشام، ونحن منها في لبنان.
اشرقت الشمس على بلاد فرّ منها الأسد ، ورفرف الحمام، واشرأبت أعناق السوريين لطيف من الاحلام، وهو يتحق رقصا ودمعا وقهقهة وقبلات
ان يسقط الاسد ويهوي ويقتلع، ويفر هاربا، هو ما يشعرنا بأن قيد لبنان انكسر، وان لبنان لم يكن اكثر من نزيل في سجن صيدنايا، وان تبدل آمر السجن، فالسجن هو هو، والقيد لم يزل بكفاءته، فيض من الحرية كأنه يفيض عن تصورنا ووعينا، او كأننا كسجين لم يألف العيش خارج سجنه المديد، واستوحش نسيم الحرية، حين انطلق من دهاليز السجن الى فضاء الحرية.
نحن الأن في حضرة من يبرع في تفكيك المشهد وتعقيداته، وفي التقاط اللحظة ووضعها في سياقها التاريخي، في بعثرة الشعارات التي تصادر العقل والمنطق، ودفعها الى حيث يجب، الكاتب حازم صاغية ممن نتوسم فيه الآن، ان يفكك بعقله النيّر ولغته البليغة، وحسّه الانساني العميق وخبرته في احوال لبنان، في زمن وصاية الاسد الممتدة، كنه الاجابة على أسئلة ما معنى سقوط نظام الاسد لبنانيا؟ ، وبالتالي هل كنا شعبين في نظام واحد؟ هل ابتلي لبنان بعدوى نظام الأسد؟ ما هو نظام الأسد الذي بقي جاثما على سوريا ولبنان لسنوات طوال؟
هل لبنان امام فرصة يفرضها على اللبنانيين هذا الانهيار المبهر لنظام الاسد؟
كيف نجح نظام الاسد، بتقويض الفكرة اللبنانية ومظاهر الديمقراطية، ومنبر الاعلام وحاضنة الحريات في محيطها العربي؟
كيف صارت الاهانة شرطا لكي تكون رئيسا او وزيرا او نائبا، او مسؤولا اداريا او امنيا في لبنان، في ظل وصاية الاسد؟هل من رابط بين تولي حافظ الاسد السلطة في سوريا عام ١٩٧٠ وبدء انهيار لبنان الذي تشكل بعد الاستقلال عن فرنسا؟”.
علي الأمين
حازم صاغية
في المحور الاول للندوة وعنوانه، “في معنى سقوط نظام الأسد لبنانيا”، توجّه صاغية بالتهنئة لجميع الحضور بسقوط نظام بشار الأسد، لافتاً إلى أنه “لا يميل لربط النظام اللبناني بنظام الأسد البائد بشكل كلّي، فهناك سلطوية وافقت النظام السوري عنوانها الصراع ضد إسرائيل، غير أن التجربتين اللبنانية والسورية حكمها اختلاف وتنافر منذ تأسيس البلدين حتى أن الوضع داخل سوريا فيه تنافس أيضاً واختلاف بين الطوائف وكذلك بين المدن الكبرى، بين حلب ودمشق. أما خارجياً فقد تبنت سوريا منذ نشأتها شعار الوحدة العربية، فمعظم مفكري الوحدة العربية هم سوريون، مردّ ذلك إلى الشعور بالتفتيت والضعف، وهو ما انعكس على اللغة السياسية السورية، مثل استخدام مصطلح “العروبة” و”القطر” بدل الوطن، وغيرها.
ثم استعرض صاغية التاريخ السوري والانقلابات العسكرية، التي حصلت فيها في فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ثم تقديم سوريا لزعامة جمال عبد الناصر العروبية، عندما أعلنت الوحدة مع مصر واستمرت حوالى 3 سنوات انقلب على أثرها حزب البعث على الوحدة عام 1962 وانفصل عن مصر، واستبد في السلطة ثم دخل في صراعات داخلية، تمكن على أثرها وزير الدفاع حافظ الأسد البعثي من الانقلاب على رفاقه واستلم السلطة عام 1970.
صاغية: لا توجد أخطاء كثيرة من قبل السلطة الحالية التي نشأت بعد الإطاحة بالبعث الحاكم في سوريا، وقد طمأن قائد الثورة أحمد الشرع، بقوله أن البلد لا يحكم بالثورة إنما يحكم بالدولة
وعن الملامح العامة لنظام الأسد وتأثيراتها في عصر الحالي، فقد فندها صاغية على الشكل التالي: استخدام المفرط للعنف، وضرب وإلغاء الحركات الإسلامية، ويعوّض عن قهر الإسلاميين بأسلمة المجتمع رسمياً مرفقاً بشعار العروبة، وتسليم الجيش والأمن للعلويين، وتوريث السلطة على طريقة كوريا الشمالية”، متوقفاً أنه “عند الإطاحة ببشار، كان البعث قد حكم 54 سنة، وكذلك عائلة الأسد.أما في لبنان، فإن بين الوحدة والحرية يوجد تناقض، وبرزت الخصوصية والتفاخر اللبناني”.
وعن دور تحالف سوريا الاسد و”حزب الله” في تاريخ لبنان الحديث، قال صاغية، أن “هذا التحالف نجح في تدمير السلطة اللبنانية، وهو الدور الذي مارسته سوريا منذ تدخلها في الشأن اللبناني، لذلك فان النظرة المستقبلية للبنان يجب أن تكون في سلمية الحياة السياسية، فالحدث السوري الآن يعنينا، وهو التمني أن لا تعود الدكتاتورية إليها دينية أو غيرها، كي لا يكون تبريرا الحزب بعودة استخدام سلاحه دفاعاً عن الطائفة الشيعية مثلاً”.
حازم صاغية
وبرأي صاغية “لا توجد أخطاء كثيرة من قبل السلطة الحالية التي نشأت بعد الإطاحة بالبعث الحاكم في سوريا، وقد طمأن قائد الثورة أحمد الشرع، بقوله أن البلد لا يحكم بالثورة إنما يحكم بالدولة، ورفض أن يشبه نفسه بحكام أفغانستان،وألغى الخدمة العسكرية الإلزامية، لذلك من نظر للحكام الجدد في سوريا هي إيجابية”.
إبراهيم شمس الدين
بالنسبة للعلاقة مع لبنان، لفت الى انه “مرتبط بالوضع الداخلي السوري، ونجاح الشرع بالتفاهم مع باقي فصائل الثورة، وتمرير المرحلة الانتقالية بنجاح، بانتظار المؤتمر الوطني المقبل وكتابة الدستور، ونوع الدستور المقبق، والانفتاح على المجتمع المدني، وهو يفتح على سؤال عن وضع تلك المجموعات السيء، والذي سابقاً لم يستطع الصمود أمام وحشية نظام الأسد، وضع المرأة، وضع الأقليات وغيرها، وتلطيف الإسلام السياسي أو تشدده، هي أسئلة مطروحة للمرحلة المقبلة”.
وختم صاغية بأنه “يجب مراقبة الدور التركي خارجياً، ومدى تأثيره على الواقع السوري، وداخليا مراقبة مدى سيادة القانون والعدالة، اما بالنسبة لمن هرب من جماعة النظام إلى سوريا، فلا بد من تسليمهم إلى النظام الجديد تحقيقاً للعدالة، ومن أجل بناء علاقة طيبة مع سوريا الجديدة”.
صاغية: من هرب من جماعة النظام إلى سوريا، فلا بد من تسليمهم إلى النظام الجديد تحقيقاً للعدالة
وتلا كلمة صاغية مداخلات ونقاش من قبل بعض الناشطين والناشطات الحاضرين في الندوة.
رشا الأمير
وجيه قانصو
وفي المحور الثاني للندوة حول “تأثير الحدث السوري على المستويين العربي واللبناني”، قدّم الدكتور مجيد مطر الباحث والمفكر السياسي الدكتور وجيه قانصو، عبر “شاشة زوم” ان الحدث في سوريا حالياً كثيف الدلالة بعد أن أصبح في محطة مصيرية عقب سقوط نظام الأسد، الذي نعتبره سقوطاً داخلياً أكثر منه تدخلاً خارجياً، ولكن التعرّف على الصفحة الجديدة المقبلة هو ضروري لمعرفة مصير سوريا والمنطقة، وهو ما يتطلب استشرافا حقيقيا لما حصل كي نتعرّف على المسارات المقبلة.
منهجياً، بحسب قانصو، “لا بد من دراسة ثلاثة مستويات، الظاهر، والخفي، والعناصر الكامنة، أي القيم الحاكمة للمشهد الحالي في سوريا، فالتحليل السياسي يستطيع كشف المستوى الظاهر فقط.
بالنسبة للبنانيين أصبح هناك تغيير على المستوى الدولي، فخروج اللاعب الروسي كان متوقعاً حتى بالنسبة له، لأنه يريد الانسحاب طوعاً، لماذا؟ ربما لأنه متورط بحرب أخرى في أوكرانيا، وكذلك فان وضع النظام السوري الراهن هو وضع مزري، كما أن الحضور الإيراني أصبح دون جدوى وغير ملائم للوجود الروسي”.
قانصو: نتعامل مع مجتمع خرج من نظام البعث الذي استمر حكمه حوالى 60 عاماً، هناك فراغ سياسي داخلي بسبب الخوف من بطش النظام الذي خرّج أجيالاً من الخائفين من المشاركة في الحياة السياسية
واستنتج أن “الروسي لم يعد له وجود فعلي، فقد تخلى عن وجوده التاريخي في سوريا، والتمدد الأميركي في المنطقة وصل إلى سوريا، وأصبحت واشنطن ترسم قواعد الاشتباك بالنسبة لتركيا، اضافة الى ان وجود تركيا ونفوذها الحالي بعد سقوط النظام هو وجود أكثر واقعية، بوصفه حالة شبيهة بالحالة السورية، ولعلنا سوف نشهد ثقافة إنسانية جديدة هي ثقافة تركية سعودية في المنطقة، بدلاً من التركية الإيرانية التي كانت سائدة”.
قانصو: الروسي لم يعد له وجود فعلي وتخلى عن وجوده التاريخي في سوريا
ورأى ان “المنهزم الأكبر على الساحة السورية هو إيران، فقد كانت سوريا هي الركن الأساسي والمركزي للمشروع الإيراني، وقد بذلت جهداً في سبيل بقائها في سوريا بشكل ثابت، وقد راهنت على أمرين، الأول التغيير الديموغرافي وهجرة السوريين إلى الخارج، ثم نشر التشيّع وتشكيل المليشيات المذهبية في سوريا. الإيراني كان يعمل على خطف سوريا، عن طريق دعم النظام بواسطة القهر والغلبة، وكان معه في كل مشاهد الإبادة، فقد استخدم التشيّع كمادة قهر وقتل، على حساب تهميش الأموية كعمق حضاري يفتخر فيه العالم السنّي”، داعياً قانصو “مؤسسة النجف إلى ترميم هذا الأمر، والعمل على المصالحة مع الشعب السوري”.
ووجد ان “الهزيمة الإيرانية في سوريا كبيرة، ومع الأسف فإن إيران ابتعدت بعد انتصار الثورة واتهمت سوريا أنها انتقلت من حضن المقاومة إلى حضن إسرائيل وأميركا، دون الالتفات إلى الواقع والشعور بعذابات الشعب السوري على مدى عقود.
في لبنان، رأى قانصو ان “حزب الله يحاول إنكار حالة الانكسار التي حدثت للمشروع الإيراني في سوريا وأن فائض القوة ما زال كما هو، وهو تصوير خاطئ جداً.
واستنتج قانصو، ان أحد أهم ملامح سقوط المشروع الممانع هو أن سرديته تحطمت، “إسرائيل حطمته عسكرياً، وسوريا حطمته أخلاقياً”، ونتائج تحطم المشروع، أن إيران عادت إلى حدودها الطبيعية، وهي تدافع عن حدودها. اما بالنسبة لسوريا ذاتها، فلا بد من العمل على حياد الدين عن الدولة وتطبيق العدالة”.
وتطرق الى “مشكلتين الأولى، هي الإسلام السياسي، فالخطاب كما راقبنا هو ليس أصولياً كما يبدو، واضح أن هناك خطابا إسلاميا، ولكنه منفصل حتى الآن عن الأيديولوجيا، كما نعرفها عن الإسلام السياسي، بهذا المعنى يصبح الإسلام هو مكوّن ثقافي، مع وجود نفس دعوي مؤطر تأطيراً وطنياً، كما أنه سعى إلى كسب المشروعية الدولية. أما بالنسبة للمجتمع السوري نفسه فيجب أن يكون جاهزاً لتشكيل قوى طابعها مدني، تؤمن بالتعددية وحرية الرأي، فنحن بحاجة إلى قراءة المشهد الاجتماعي في سوريا قبل السياسي”.
قانصو: المنهزم الأكبر على الساحة السورية هو إيران
وقال: “نتعامل مع مجتمع خرج من نظام البعث الذي استمر حكمه حوالى 60 عاماً، هناك فراغ سياسي داخلي بسبب الخوف من بطش النظام الذي خرّج أجيالاً من الخائفين من المشاركة في الحياة السياسية. فحكم الحزب الواحد يغيّب الفرد ويلاحق من يريد التغيير في المجتمع، لان السلطة بنظره ليست من شأن المجتمع، إنما هي للنخبة يتحكم فيها أقوياء في الحزب الواحد”.
قانصو عبر “زووم”
قانصو: نتعامل مع مجتمع خرج من نظام البعث الذي استمر حكمه حوالى 60 عاماً، هناك فراغ سياسي داخلي بسبب الخوف من بطش النظام الذي خرّج أجيالاً من الخائفين
ولاحظ انه “في المشهد السوري بعمقه، كان عهد النظام البائد عبارة عن جماعات غير منسجمة، نظام أقلوي ومفكك اجتماعياً، الآن أصبح وبعد انتصار الثورة يظهر كما قلنا أنه يخضع لخطاب إسلامي دعوي بحاجة لتفسير ووضوح في الأيام المقبلة”.
وبالنسبة لمنهج البحث الاخير من اجل تحليل الواقع السوري، يشرح قانصو، انه “يتعلق بالقيم الكامنة، التي يمكن أن تسود بالنسبة للمنظومة الإسلامية، وما يمكن أن يطفو منها على السطح في المرحلة المقبلة”.
ورأى ان “الفقه الإسلامي القديم لم يتطرق للحكم والسلطة إنما هو فقه موجه للفرد المسلم. لذلك ما زالت العلاقة هي بين الراعي والرعية في المجتمعات الإسلامية، عبارة عن قهر وغلبة، فمفهوم الحرية لم يرد في الفقه الإسلامي، إنما ورد تعبير العدالة والإنصاف، وهو واقع ينتقص من الحرية”.
وخلص الى القول ان “الحرية لدينا تنقصها ورشة فكرية، هي ضرورية ولكن ثقافتنا حتى الان تستثنيها، لذلك فإن المهمة في سوريا ستكون صعبة جداً”.
يقدّم موقع جنوبية مواضيع خاصّة وحصرية، تتضمن صوراً ووثائق وأخباراً من مصادر موثوقة ومتنوّعة تتراوح بين السياسة والمجتمع والاقتصاد والأمن والفن والترفيه والثقافة.