منذ أيام، أجرت إحدى مراسلات تلفزيون “الجديد” في أحد مراكز الإيواء في بلدة علمات، حديثاً عفوياً كالعادة مع النازحين الجنوبيين، تقدمت المذيعة من إحدى النازحات قائلة لها “شو بدك تقولي يا حاجة كنتِ بدك تقولي شي”، ترددت الحاجة الجنوبية النازحة من بلدة شقرا وكأنها غيَّرت رأيها، وبعد إلحاح من المذيعة إنفجرت الحاجة قائلة “صرلنا عشرة أشهر بالحرب والعالم مشتتة شمال ويمين، وما حدا سأل سؤال كنو من السيد حسن للي إستشهد هلق ما بعرف أو نبيه بري، ليش دشروا هالشعب هيك ليش مش حرام عليهن”.
اختصار المعاناة
هذه الصرخة العفوية من إمرأة جنوبية نازحة من بيئة “الثنائي”، تختصر معاناة هذه البيئة مع هذا “الثنائي”، أولاً في الشكل حيث أن “الحاجة” لم تشأ في البداية الإفراج عن مكنونات صدرها، وهو ما يعكس “الإرهاب الفكري” الذي تعيشه هذه البيئة، والذي تُساهم فيه غالبية الوسائل الإعلامية، خاصة تلك المنتمية لمحور الممانعة، وهو ما تمثَّل بحذف هذا الحديث من التقرير في النشرة المسائية لتلفزيون “الجديد”، في الوقت الذي تفرد فيه الوقت الكافي لكلام “الهوبرة والمكابرة” لبعض النازحين، والبعيد كل البعد عن المنطق والواقع الذي يعيشونه، كنازحين ضيوف في مناطق لطالما إتهم “بلطجية الثنائي” سكانها بالعمالة أو بالإرهاب.
“الإرهاب الفكري” الذي تعيشه هذه البيئة، والذي تُساهم فيه غالبية الوسائل الإعلامية، خاصة تلك المنتمية لمحور الممانعة، وهو ما تمثَّل بحذف هذا الحديث من التقرير في النشرة المسائية لتلفزيون “الجديد”
في المضمون تختصر هذه الصرخة رفض البعض – على الأقل – من أبناء هذه البيئة اللا منتمين سياسياً والناس العاديين، لهذا الواقع المفروض على الناس والذي أدى للأسف لإدخال البلد والناس، في نفق حرب لم يكونوا مهيئين لها، بما تعنيه من موت ودمار وخراب بيوت، وقطع أرزاق وتهجير وتشتت وعوز يصل حد تسوُّل لقمة العيش، في مراكز إيواء لا يفي بعضها بالحد الأدنى من شروط العيش الإنساني.
تختصر هذه الصرخة رفض البعض – على الأقل – من أبناء هذه البيئة اللا منتمين سياسياً والناس العاديين، لهذا الواقع المفروض على الناس والذي أدى للأسف لإدخال البلد والناس، في نفق حرب لم يكونوا مهيئين لها
صرخة محقة
قد يقول قائل، بأن رأي هذه “الحاجة” هو رأي فردي ولا يمثل رأي “الأهالي”، وهذا قول يبدو في الظاهر منطقياً، لكن في الواقع عندما يصدر هذا الكلام عن أناس عاديين عفويين، غير منتمين ولا موجَّهين، ولا ذوي مصالح شخصية غير مصلحتهم في العيش الكريم، يكون هذا الكلام ذو قيمة مضاعفة وأقرب إلى المنطق والحق، ثم من قال أن هذا الرأي لا يمثل شريحة واسعة من الناس، فنحن أبناء هذه البيئة، وكما يقال “حارتنا ضيقة ومنعرف بعض”، ونعرف كيف تفكر وماذا تقول الناس في الحلقات الضيقة والمغلقة، لا نقول بأن الناس تقف ضد مقاومة إسرائيل أو أنها تريد مهادنة العدو، ولكن للناس ملاحظات كثيرة على الممارسات والسياسات، التي أدَّت وتؤدي بالوطن والبيئة بشكل خاص إلى المهالك، لكن الناس تخاف الإعراب عن رأيها مخافة التخوين والتكفير، نتيجة “الإرهاب الفكري” الذي يُصوِّر كل منتقد وكأنه خارج على الملة والجماعة.
إن صرخة هذه “الحاجة” الجنوبية، وإن كانت قد صدرت عن شخص واحد، إلا أنها بنظري من أصدق ما قيل ويقال، خاصة في هذه الظروف العصيبة، فلطالما كانت كلمة الحق الصادرة بعفوية وبراءة، وكذلك قائليها أقلية شجاعة بعيدة كل البعد عن لغة المصالح الحزبية والإيديولوجية، التي تطحن في طريقها أحلام وآمال الملايين من البشر العاديين، الذين لا يريدون أكثر من أن يعيشوا حياة طبيعية، يختارونها هم بملء إرادتهم، من دون فرض أو إكراه، وهذا لعمري أقل حق من حقوقها الإنسانية الطبيعية.

