الطائِفة المَلِكَة ودولة المواطنة!

لبنان

طبعا يجري الحديث اليوم، اننا نشهد آخر ايام الشيعية السياسية! منهم من يتسرَّع في القراءات، منهم من يُهَلِّل، ومِنهُم من يتوهَّم ان “اللحظة” عادت اليه و اليهم، ومنهم، من خوفه الوطني على لبنان الوطن، يتساءل، بقلق، عن ماذا سيكون اليوم التالي في لبنان، واذا كانت النُخَب اللبنانية على قدر من الوعي والصحوة والتمييز الوطني، واذا كانت ستعيش صحوة فكرية وطنية نقدية وانتقادية ذاتية، لتُدرك اننا في لبنان عشنا الى اليوم ثلاثة “نزول الى الجحيم”، اي المارونية السياسية، ومن ثم السنية السياسية، ومن ثم الشيعية السياسية، وذلك بفترات تاريخية مختلفة، مع قيادات ولاعبين مختلفين واوضاع سياقية داخلية، وجيوسياسية إقليمية ودولية مختلفة، ولكن ما يجمع كل منها، اي ما يجمع التجارب الثلاثة القاتلة للنزول الثلاثي الوطني الى الجحيم، انها كانت قائمة على نفس المِقياس ونفس النظام ونفس السردية التي تستبدل “القيمة الوطنية” valeur nationale بالقيمة الطائفية، valeur communautaire، وتستبدل الدولة، دولة القانون والمؤسسات والحق والتساوي بالحقوق والواجبات، بدولة “طائفة ملكة” تُسيطر على السلطة المركزية، بالاتفاق مع نخب مدنية مالية واقتصادية ومصرفية، وتُنتج في المكونات الطائفية اللبنانية الاخرى “أقمار”، تتبع لها من خلال منهجية علاقة إستتباعية زبائنية عاطفية وسياسية مصلحية processus de satellisation.

مُساءلة مرحلة الشيعية السياسية ومساراتها ومناهجها وخياراتها ضرورية، لا بل اساسية لصناعة تجدد الغد اللبناني الوطني، ولكن هل يُمكن، كما يتم اليوم، تحميل هذه الشيعية السياسية، كل تراكمات التراكمات اللبنانية القاتلة التي أودت بلبنان الى هذه المَدارك

بالطبع، مُساءلة مرحلة الشيعية السياسية ومساراتها ومناهجها وخياراتها ضرورية، لا بل اساسية لصناعة تجدد الغد اللبناني الوطني، ولكن هل يُمكن، كما يتم اليوم، تحميل هذه الشيعية السياسية، كل تراكمات التراكمات اللبنانية القاتلة التي أودت بلبنان الى هذه المَدارك ! لا، بالطبع لا، وحذار من انتاج منهجية استرجاع لتجارب الماضي من خلال اتباع، من حيث ندري او لا ندري، منهجية استعلائية فكرية و/ او استبعادية و/او إلغائية exclusion، لانه المطلوب اليوم اكثر من اي يوم مضى وضع منهجية اندماجية تكاملية inclusive!

المشكلة الاساسية عند النُخَب والقوى السياسية اللبنانية، انها لا تقوم بعملية “نقد ذاتي” لتجارب الماضي القاتلة بل تعود بالحنين اليها …

تجربة “الطائفة المَلكة”، هي النموذج الطائفي الذي ضرب النموذج الوطني اللبناني، وهكذا تم اسقاط فؤاد شهاب، الذي كان يُمكن ان يكون نموذجا وطنيا حقيقيا، حيث دولة المؤسسات والمواطنة هي المعيار، وليس دولة الطائفة الملكة اكانت مارونية، سنية او شيعية!

تجربة “الطائفة المَلكة”، هي النموذج الطائفي الذي ضرب النموذج الوطني اللبناني، وهكذا تم اسقاط فؤاد شهاب، الذي كان يُمكن ان يكون نموذجا وطنيا حقيقيا، حيث دولة المؤسسات والمواطنة هي المعيار، وليس دولة الطائفة الملكة اكانت مارونية، سنية او شيعية! مَن اسقط فؤاد شهاب؟ الذي استطاع ان يضع ميثاق لحياد لبنان في بروتوكول ١٩٦١ مع ناصر؟

وهكذا تم اسقاط ايضا بشير الجميل الذي كان يُمكن ان يُعيد بالرغم من كل تجارب الحرب القاسية، نموذج شهاب لدولة المواطنة وهو الذي كان يعمل مع “الغروب غاما” لسنوات طوال (الاب سليم عبو كتب موسوعة عن هذا الامر) للتحضير من جديد لمشاريع قوننة دولة القانون، والمؤسسات التي يكون فيها المِقياس للقيمة الوطنية، اي لدولة مدنية علمانية في سياق مشرقي، دولة متطورة لا دويلات طائفية، دولة علمانية تفصل (كما اردد في كتاباتي ومحاضراتي) تفصل الدين عن الدولة، دون فصله عن المجتمع!

إقرأ أيضا: «الثنائي» وسياسة تضييع الفرص.. متى يلتقطها؟!

السابق
بالفيديو: الجيش الإسرائيلي يزعم اكتشاف مقر لقوة الرضوان في نفق تحت الأرض في الجنوب
التالي
بالفيديو: صرخة من عين إبل داخل بكركي: نريد السلام لا إعاشات!